الشيعة في المغرب..أقلية صامتة بين مطرقة الدولة وسندان المجتمع

الشيعة في المغرب..أقلية صامتة بين مطرقة الدولة وسندان المجتمع
ديكريبتاج / الأحد 30 نونبر 2025 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:ياسر اروين

رغم أن المغرب يُعدّ تاريخياً بلدًا ذا مرجعية سنّية مالكية، فإن التشيّع بدأ يتسلّل إليه منذ أواخر الثمانينيات عبر مسارات متعددة، طلبة عادوا من لبنان وإيران، مغاربة مقيمون بالخارج، إضافة إلى تأثير الفضائيات والقنوات الدينية الشيعية التي انتشرت بقوة في بداية الألفية.

هذا الامتزاج خلق أقلية صغيرة، لكنها منظمة نسبياً، تعتمد على نشر الفكر الشيعي الإثني عشري، وتشتغل غالباً في الظل وبعيدا عن الأضواء.

أين يتواجد الشيعة في المغرب؟

الشيعة في المغرب ليسوا كتلة ديموغرافية ضخمة، بل مجموعات متفرقة تنتشر خاصة في:

1. الشمال والشرق

مدن مثل طنجة، تطوان، الحسيمة، وجدة والناظور شهدت بدايات تشكّل النواة الأولى للأفراد المتشيّعين، خصوصاً بين الفئات المثقفة والطلبة.

2. الدار البيضاء والرباط وسلا

العاصمة والمراكز الحضرية الكبرى عرفت نمواً أكبر لهذه الفئة بسبب وجود مساحات اجتماعية وثقافية تسمح بقدر من الانفتاح والاختلاط، إضافة إلى وجود “حلقات” خاصة للتثقيف الديني الشيعي.

3. مغاربة الخارج

جزء مهم من المتشيّعين يوجد في أوروبا، خصوصاً بلجيكا وهولندا وإسبانيا، وينقلون هذا الفكر لأسرهم وأصدقائهم داخل المغرب عبر الزيارات والعلاقات العائلية.

رغم ذلك، يبقى عدد الشيعة في المغرب غير رسمي، ويقدّر بعض الباحثين عددهم بين 3 آلاف و20 ألف شخص، مع غياب أي اعتراف رسمي أو إحصاء دقيق.

طبيعة مذهبهم..بين التشيع الإثني عشري والتصوف المغربي

أغلب الشيعة المغاربة يتبنون المذهب الإثني عشري المنتشر في إيران والعراق ولبنان، بما يشمل:

الإيمان بالإمامة وولاية الفقيه لدى بعضهم، بينما يعارضها آخرون.

الاحتفال بعاشوراء بطقوس مختلفة عن الممارسة السنية.

الاعتقاد بعقائد الإمامة، العصمة، والغيبة.

تأثر قوي بالفكر الديني لمدارس النجف وقم.

لكن خصوصية المغرب جعلت جزءاً منهم يمزج الفكر الشيعي بالصبغة الصوفية المغربية، فيخلق نوعاً من “التشيّع المغربي الهادئ”، غير الصدامي، وغير المرتبط بالسياسة بشكل مباشر.

محاصرة الدولة:لماذا تعتبر الرباط التشيّع خطراً استراتيجياً؟

المغرب يتعامل مع التشيّع باعتباره تهديداً مباشراً للنموذج الديني الرسمي المبني على إمارة المؤمنين، وعلى وحدة المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية.

1. الحساسية الجيوسياسية مع إيران

الدولة تربط أي تمدد شيعي بنفوذ إيراني محتمل والدليل هو قطع العلاقات مع طهران في 2018، بعد اتهامات بوجود دعم إيراني عبر حزب الله لجماعات تهدد الدولة المغربية.

2. الخوف من الطائفية

المغرب ينظر لتجارب المحيط الإقليمي (لبنان، العراق، سوريا) كمثال على مخاطر الانقسام المذهبي، ويرى أن فتح الباب للتشيّع قد يؤدي إلى “طائفية مصغّرة” داخل مجتمع متجانس مذهبياً.

3. حماية السلطة الدينية المركزية

وجود مرجعية دينية خارجية يُعتبر تهديداً مباشراً لسلطة المؤسسة الدينية الرسمية، التي تُعدّ أحد أعمدة النظام السياسي.

أدوات المواجهة:كيف تحارب الدولة التشيّع؟

الدولة المغربية تعتمد مقاربة متشددة ولكن “ناعمة” في الآن ذاته، وتشمل:

1. التضييق على الأنشطة الدينية

يتم إغلاق المنازل التي تُمارس فيها تجمعات أو مجالس عاشوراء، ومراقبة الكتب الشيعية ومنع بعضها من التداول دون ترخيص.

2. غياب الاعتراف القانوني

لا يسمح للشيعة بتأسيس جمعيات دينية أو ثقافية تحمل صبغة مذهبية، ما يدفعهم إلى الاشتغال في الخفاء.

3. الطرد والمنع من التوظيف

بعض الأساتذة والموظفين تعرّضوا لعقوبات إدارية أو فُصلوا بسبب انتمائهم، في إطار ما تسميه الجهات الرسمية “حماية الأمن الروحي للمغاربة”.

4. مراقبة المراكز الشيعية في الخارج

من خلال السفارات والمراكز الدبلوماسية، تُتابع الدولة الأنشطة الدينية لمغاربة الخارج لضبط أي تأثير قد يصل للداخل.

مجتمع بين الرفض والصمت

المجتمع المغربي عموماً ينظر إلى التشيّع بحساسية كبيرة، ويخلط بين البعد العقائدي والخلفيات السياسية المرتبطة بإيران وحزب الله.

هذا الرفض المجتمعي يضع الشيعة بين سندان الدولة ومطرقة المجتمع، ما يُبقيهم في “عزلة صامتة” ويُقلل من قدرتهم على الظهور العلني.

لكن رغم كل الضغوط، لا يُظهر التشيّع في المغرب علامات اندثار، بل بالعكس، يستمر في التمدد الهادئ عبر شبكات التواصل الاجتماعي، المؤثرات الثقافية، وتنقلات مغاربة الخارج، في ظل غياب استراتيجية فكرية مقنعة قادرة على تقديم بديل حقيقي للشباب الباحث عن هوية دينية مختلفة.

 بين الحرية الدينية والهواجس السياسية

وجود الشيعة في المغرب واقع لا يمكن إنكاره، مهما حاولت الدولة ومؤسساتها التقليل من حجمه وتأثيراته.

لكن التعامل الأمني وحده لا يوقف هذه الظاهرة الفكرية والعقائدية، بل يدفعها إلى مزيد من السرية والتمدد الهادئ.

فالتحدي الأكبر أمام المغرب اليوم هو إيجاد توازن بين حماية النموذج الديني الرسمي وضمان الحد الأدنى من حرية المعتقد، دون السقوط في منطق الطائفية أو الحصار الكامل.

والشيعة في المغرب سيظلّون موضوعاً شائكا، يختلط فيه الديني بالسياسي، والأمني بالاجتماعي، في بلدٍ يحاول أن يبقى متجانساً في زمن تتفجر فيه الهويات المذهبية حول العالم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك