أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
يثير استمرار استعمال اللغة الفرنسية
في مراسلات عدد من الإدارات العمومية والخاصة في المغرب جدلا متجددا حول مفهوم
الاستقلال الفعلي ومعناه الرمزي، خاصة ونحن في سنة 2026، بعد عقود طويلة من نهاية
الحماية، حيث يعتبر كثيرون أن بقاء لغة المستعمر في صلب الوثائق الرسمية يعكس
مفارقة واضحة بين النص الدستوري والممارسة الإدارية اليومية.
فالفقرة الأولى من الفصل 5 من دستور
المملكة المغربية تنص صراحة على أن اللغة العربية تظل اللغة الرسمية للدولة، وتعمل
الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها، وهو مقتضى دستوري يحمل دلالة
سيادية قوية، لأن اللغة ليست مجرد أداة تواصل بل عنوان هوية وخيار حضاري يعكس
استقلال القرار الوطني.
المنتقدون يرون أن استمرار هيمنة
الفرنسية داخل عدد من القطاعات الإدارية والاقتصادية والتعليمية يطرح سؤال
الانسجام بين المرجعية الدستورية والواقع العملي، ويعتبرون أن تأخر التنزيل الكامل
لقانون تعريب الإدارة يجعل العربية في وضع رمزي أكثر منه فعليا، بينما تُمنح
الأفضلية في كثير من المراسلات والوثائق للغة أجنبية ارتبطت تاريخيا بفترة
الاستعمار.
ويذهب هذا الطرح إلى أن الدولة التي
تعبر عن سيادتها الكاملة يفترض أن تجعل لغة شعبها هي اللغة الأولى في الإدارة
والتعليم والقضاء وكل مؤسساتها، لأن السيادة لا تتجزأ بين السياسي والثقافي، بل
تتكامل، ولا يمكن الحديث عن استقلال مكتمل في ظل استمرار تبعية لغوية داخل دواليب
القرار والتسيير.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن
الانفتاح اللغوي لا يتعارض بالضرورة مع السيادة، وأن استعمال الفرنسية أو غيرها في
بعض المجالات التقنية والاقتصادية يندرج ضمن اعتبارات عملية مرتبطة بالتاريخ
وبطبيعة الشراكات الدولية، غير أن هذا الرأي لا ينفي أن الأولوية الدستورية تبقى
للعربية كلغة رسمية واجبة الحماية والتطوير.
الرهان اليوم، بحسب المدافعين عن
التعريب الشامل، هو الانتقال من النص إلى الفعل عبر سياسات لغوية واضحة، تضمن
تعميم العربية في الإدارة بشكل تدريجي ومدروس، مع تطوير المصطلحات وتحديث آليات
الترجمة والتكوين، حتى لا يبقى التعريب شعارا سياسيا بل يتحول إلى ممارسة مؤسساتية
راسخة.
إن النقاش حول اللغة في المغرب ليس
صراعا بين لغات بقدر ما هو نقاش حول ترتيب الأولويات وترجمة الاختيارات الدستورية
إلى واقع ملموس، حيث تظل العربية، بنص الدستور، اللغة الرسمية الأولى، وأي لغات
أخرى تبقى في خانة اللغات الثانية التي يختار المواطن تعلمها، بينما تبقى مسؤولية
الدولة قائمة في جعل لغة الشعب حاضرة بقوة في كل ردهات الإدارة ومفاصل القرار
تعبيرا عن سيادة كاملة لا لبس فيها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك