بقلم : د . محمد أحدو
يُحسب للمؤرخ البريطاني سيباستيان بالفور (Sebastian Balfour)، أستاذ التاريخ الإسباني المعاصر بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)، أنه غاص بعمق في أحد أكثر ملفات التاريخ العسكري الإسباني تحجيماً وتكتمًا. فمن خلال مؤلفه المرجعي الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد سنة 2002 في نحو 368 صفحة والمعنون بـ "Deadly Embrace: Morocco and the Road to the Spanish Civil War"، نجح بالفور بوضوح في نظر المختصين في التاريخ المعاصر في تشريح التاريخ السري لاستخدام الأسلحة الكيماوية بمنطقتي الريف وجبالة ما بين 1921 و1927. وتتأتى أهمية هذا السفر التاريخي -لا سيما في محاور تحليله الميداني والاستراتيجي الواردة في الصفحة 132 وما يليها- من كونه يقدم قراءة نقدية صارمة تزيح الستار عن الأبعاد المظلمة للهيمنة الاستعمارية الإسبانية في شمال المغرب.
تقوم البنية التحليلية لأطروحة ‘’بالفور‘’ على ركائز أرشيفية
صلبة لا تقبل التأويل؛ أولاها إثباته القاطع، استناداً إلى الوثائق والمراسلات
العسكرية الرسمية، أن اللجوء إلى الغازات السامة كغازي الخردل والفوسجين لم يكن
مجرد تصرفات ميدانية معزولة لضباط متمردين أو طيش عسكري عابر، بل جرى تبنيه كسياسة
رسمية مقررة وممنهجة من أعلى مستويات القيادة العسكرية والسياسية الإسبانية حينها, بتوافق وتنسيق تام مع أسماء وازنة
من الجنرالات الاسبان الذين ورد ذكرهم في كتابه، وذلك في محاولة يائسة لكسر
شوكة المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد
الكريم الخطابي إثر واقعة أنوال الشهيرة
سنة 1921.
وفي السياق ذاته، تتفرع الركيزة الثانية لتكشف عن استهداف متعمد
للحاضنة المدنية والبيئة الحيوية عبر تفعيل "استراتيجية الأرض
المحروقة". فقد وثقت دراسات "بالفور" كيف أُسقطت الشحنات الكيماوية
والضربات الجوية فوق الأسواق الأسبوعية المكتظة، والتجمعات السكانية القروية،
ومجاري المياه والتربة الزراعية بمنطقة الريف ؛ بغية إحداث دمار شامل ومستدام يقطع
دابر الدعم اللوجستي والمجتمعي للمقاومة، متجاوزة بذلك كل الضوابط الأخلاقية
والقانونية والمواثيق الإنسانية. يرافق ذلك تستر مؤسسي محكم حرصت عليه الدوائر
الإسبانية العليا لإبقاء الفاجعة ذات طابع
سري وتغييبها عن أعين البرلمان (الكورتيس) الاسباني والرأي العام، تفادياً
لأي إدانة دولية محتملة.
غير أن الخلاصة السوسيولوجية والتاريخية الأعمق التي يطرحها
" بالفور" تتمثل في نظرية
"الارتداد الاستعماري" (The Boomerang
Effect)؛ إذ يؤكد أن ما عُرف بـ "الجيش
الإفريقي" (Ejército de África)،
الذي تدرّب وتشرب عقيدة القسوة المطلقة والعنف المفرط واستخدام المحظورات في ساحات
معارك الريف، لم تُحبس ممارساته داخل حدود المستعمرة، بل عاد ليقلب الطاولة على
التجربة الديمقراطية في إسبانيا ذاتها، مشكلاً رأس الحربة العسكرية التي قادت
الانقلاب وأشعلت فتيل الحرب الأهلية الإسبانية
خلال الفترة الممتدة بين (1936-1939).
ولخص" بالفور"
جوهر هذه المأساة التاريخية بعبارات مكثفة في مرجعه المذكور (ص. 132):
"The failure of
conventional military force against the fierce resistance of the Rifians led
the Spanish military command to cross a crucial moral and legal threshold. The
systematic deployment of chemical weapons—such as mustard gas and
phosgene—against civilian populations, markets, and water sources was not a
mere tactical aberration, but a deliberate strategy of total destruction
designed to break the demographic and ecological backbone of the resistance.
This colonial violence ultimately boomeranged, forging the authoritarian ethos
and military radicalism that paved the way for the Spanish Civil War."
وهي الخلاصة التي تتجلى معانيها بوضوح في ترجمتها العربية:
«إن عجز القوة العسكرية التقليدية أمام الضراوة الشرسة
لمقاومة الريفيين دفع القيادة العسكرية الإسبانية إلى تجاوز عتبة أخلاقية وقانونية
حاسمة. فلم يكن الانتشار المنهجي للأسلحة الكيماوية —مثل غاز الخردل والفوسجين— ضد
السكان المدنيين والأسواق ومصادر المياه مجرد انحراف تكتيكي عابر، بل كان
استراتيجية متعمدة للتدمير الشامل صُممت لكسر العمود الفقري الديموغرافي والبيئي
للمقاومة. ولقد ارتد هذا العنف الاستعماري في نهاية المطاف عكسياً، ليُشكل الروح
العسكرية الاستبدادية والنزعة الراديكالية التي مهدت الطريق أمام الحرب الأهلية
الإسبانية.»
عموما يمثل هذا العمل التاريخي لـ "سيباستيان بالفور
" قطيعة منهجية مع الروايات الإسبانية
الرسمية الكلاسيكية التي طالما طمست الوجه الدموي للاستعمار الإسباني. ومن
خلال التشبيك المحكم بين جرائم الحرب الكيماوية في الريف وبين الانفجار الدموي
للحرب الأهلية في الداخل الإسباني، يرسخ "بالفور "مرجعاً لا غنى عنه لكل
باحث يسعى إلى تفكيك آليات العنف الإمبراطوري وتداعياته الممتدة في الذاكرة
التاريخية المشتركة لضفتي المتوسط، و يقدم من خلال مؤلفه الدليل التاريخي على فداحة قرار إبادة ساكنة
ارادت تحرير أراضيها الشرعية من وجود استعماري ، باستعمال أسلحة كيماوية محضورة
دوليا. بل والسعي المضني لطمس معالم هاته
الواقعة التي لا تأبى نسيان، ستظل جرحا غائرا
حاضرا في سجلات التاريخ وشواهد الماضي القريب تتداولها الأقلام.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك