حرب الكيماوي بمنطقة الريف بالمغرب عند كتابات المؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga)

حرب الكيماوي بمنطقة الريف بالمغرب عند كتابات المؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga)
ثقافة وفنون / الخميس 10 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

​بقلم : د . محمد أحدو

​في سياق استمرار النبش في الملفات المسكوت عنها من تاريخ الاستعمار الإسباني بشمال المغرب، وتحديداً جرائم استخدام الأسلحة الكيميائية ضد ساكنة الريف في عشرينيات القرن العشرين، تبرز أعمال المؤرخة الإسبانية البارزة ماريا روسا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga) كواحدة من أجرأ وأهم الإسهامات الأكاديمية التي واجهت الأرشيف العسكري الإسباني بشجاعة نقدية عالية، عبر الكشف عن فصول الإبادة والدمار البيئي والإنساني الذي تعرضت له المنطقة.

​تُعد ماريا روسا دي مادارياغا من أبرز المؤرخين الإسبان المتخصصين في تاريخ الاستعمار الإسباني في المغرب وحرب الريف. وقد كرست مسارها الأكاديمي الطويل لزعزعة السرديات الرسمية  الاسبانية المضللة التي طالما حاولت إخفاء أو تهميش التجاوزات الكبرى للجيش الإسباني. تميزت إسهاماتها بالاعتماد الصارم على الوثائق والأرشيفات الأصلية، حيث كشفت بالأدلة الدامغة عن الكيفية التي لجأت من خلالها القيادة العسكرية الإسبانية -عقب هزيمة معركة أنوال المدوية التي قادها الزعيم محمد بن عبدالكريم الخطابي- إلى تبني خيار الإبادة الشاملة عبر قصف التجمعات السكانية والمدنية بغازات الخردل والفوسجين السامة، محطمة بذلك جدار الصمت المؤسساتي في إسبانيا " الديمقراطية ‘’  حول هذا الملف الحقوقي والتاريخي المعلق.

​تتضح معالم هذا التوجه النقدي الواضح في أحد أهم مؤلفاتها المرجعية ودراساتها المحكمة حول حرب الريف والاستعمار الإسباني، حيث أوردت في أحد مقاطع تحليلاتها الوثائقية باللغة الإسبانية، عبر ترجمة النص إلى العربية أسفله:

​"El uso de armas químicas por parte del ejército español en la guerra del Rif constituyó un episodio trágico y deliberado de destrucción masiva. La población civil, desprovista de cualquier medio de defensa, sufrió los estragos de unos gases tóxicos cuyos efectos devastadores no sólo segaron vidas de inmediato, sino que dejaron una huella imborrable en los suelos, las aguas y la salud de las generaciones venideras, rompiendo los límites de cualquier convención humanitaria."

 

​"إن استخدام الأسلحة الكيميائية من طرف الجيش الإسباني في حرب الريف شكّل فصلاً مأساوياً ومدروساً للدمار الشامل. لقد عانت الساكنة المدنية، المجردة من أي وسيلة للدفاع، من ويلات غازات سامة لم تقتصر آثارها المدمرة على حصد الأرواح فوراً، بل تركت بصمة لا تمحى على التربة والمياه وصحة الأجيال القادمة، مخترقةً بذلك حدود أي عُرف أو اتفاق إنساني."

​هذا وتكتسي كتابات روسا دي مادارياغا عمقاً نقدياً، لا سيما تلك الصادرة عن أقلام وازنة داخل النخبة الثقافية والأكاديمية الإسبانية ذاتها التي شجعت الكثيرين منها على فتح النقاش حول هذا الملف بجرأة علمية، مما جعلها تكتسي أهمية بالغة واستثنائية في الراهن الحقوقي والتاريخي. فهي لا تقتصر على مجرد التوثيق الأكاديمي للماضي الاستعماري الإسباني الذي تحن إليه بعض الفعاليات الثقافية والمدنية والحزبية الإسبانية كما برز أخيراً في أزمتها مع المغرب، بل تمثل صوتاً حراً يمارس ضغطاً فكرياً وأخلاقياً على المؤسسات الرسمية في مدريد، دافعاً النخبة الإسبانية المثقفة والرأي العام الإسباني نحو طي سياسة الصمت والاعتراف بشجاعة بملفات الماضي الاستعماري المسكوت عنها.

​إن هذه الأصوات الجريئة تُؤسس لمسار حقيقي للإنصاف التاريخي والاعتراف بالجرائم الفظيعة وحملات الإبادة الجماعية التي تعرضت لها ساكنة الريف بالمغرب، مؤكدة أن مراجعة الذاكرة المشتركة وجبر الضرر الإنساني والبيئي لا مفر منهما، وأن الانتهاكات الجسيمة ضد الإنسانية تظل حية ورافضة للسقوط بالتقادم مهما طال الزمن.

​إضاءة موالية:

سنقتفي آثار بعض الكتابات حول  هذا الملف  و مقاربته النقدية في المقال الموالي، عبر الغوص في شهادات وأبحاث المؤرخ الإسباني جيسوس ألبرت سالوينا (Jesús Albert Salueña)، لتسليط المزيد من الضوء على مسار استخدام الأسلحة الكيميائية في حرب الريف وتداعياتها الوثائقية والتاريخية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك