وسيط المملكة يرسم خريطة التوتر بين المواطن والإدارة في تقرير 2024

وسيط المملكة يرسم خريطة التوتر بين المواطن والإدارة في تقرير 2024
أقلام حرة / الثلاثاء 28 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم: سمير بوزيد/ مهتم بقضايا حماية المال العام ومحاربة الفساد

في مستهل الحديث عن التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024، يتبين أن هذه الوثيقة تجاوزت كونها مجرد حصيلة رقمية للنشاط المؤسساتي، لتصبح مرآة عاكسة لتحولات عميقة في العلاقة بين المواطن والإدارة المغربية، وذلك في سياق راهن تتزايد فيه رهانات العدالة الإدارية والشفافية، وتتعقد فيه علاقة المواطن بالمرافق العمومية في ظل الدولة الاجتماعية المنشودة، ومن موقعنا كمركز مهتم بحماية المال العام ومحاربة الفساد، نجد في هذا التقرير مادة دسمة تستحق الوقوف عندها بتأنٍ، لما تحمله من دلالات حول منظومة الحكامة في بلادنا.

وقد سجلت المؤسسة خلال السنة المنصرمة ما مجموعه 7.948 ملفاً، موزعة بين 5.755 ملف تظلم بنسبة 72.41%، و2.182 ملف توجيه، و11 طلب تسوية ودية، وفي واقع الأمر، فإن هذا التوزيع يعكس هيمنة واضحة للتظلم كآلية أساسية للتفاعل مع المؤسسة، مما يدل على أن المواطن المغربي بدأ يدرك بشكل متزايد دور الوسيط كجهة مخولة للبت في النزاعات مع الإدارة، غير أن محدودية طلبات التسوية الودية، والتي لم تتجاوز 11 طلباً فقط، تطرح إشكالية تتعلق بضعف ثقافة الوساطة والحلول التوافقية في المنظومة الإدارية المغربية، وهو ما يستدعي، من وجهة نظرنا، تعزيز آليات التوعية بهذا المسلك البديل والفعال.

ومن الجدير بالملاحظة أن ملفات التوجيه عرفت نمواً ملحوظاً بنسبة 18.85% مقارنة بسنة 2023، وهو ما يعكس تحولاً في وظيفة المؤسسة من مجرد هيئة بت إلى فضاء للإرشاد والتأطير القانوني والإداري، وقد حاولنا فهم هذا التحول في ضوء تعقيد المساطر الإدارية وتداخل الاختصاصات، مما يدفع المرتفقين إلى طلب التوجيه قبل الشروع في إجراءات التظلم، لكن هذا التحول يطرح بدوره تحدياً جديداً يتعلق بضرورة ضبط تمثل الوظيفة الأساسية للوسيط، باعتباره هيئة حماية وإنصاف، وليس مجرد قناة إحالة، وهو ما يلامس جوهر فاعلية المؤسسة في حماية الحقوق.

على المستوى النظري، كان من المتوقع أن تتنوع مواضيع التظلمات بتنوع مجالات التدخل الإداري، غير أن المعطيات الميدانية كشفت عن هيمنة ثلاثية واضحة، حيث شكلت التظلمات ذات الطابع الإداري (2.325 ملفاً) والمالي (1.761 ملفاً) والعقاري (926 ملفاً) ما نسبته 87.09% من مجموع التظلمات المسجلة، وهذا لا يعني أن المواضيع الأخرى غير موجودة، بل على العكس، فإن حضور مواضيع مثل عدم تنفيذ الأحكام القضائية (207 ملفات) وتدبير المخاطر الكبرى المرتبطة بزلزال الحوز يعكس مساحات من التوتر المؤسساتي والانتظارات الاجتماعية العميقة، التي تعود إلى مشاكل مزمنة في الحكامة واحترام دولة القانون، وهي قضايا تهمنا بشكل مباشر كمدافعين عن حماية المال العام، حيث أن عدم تنفيذ الأحكام يُعد شكلاً من أشكال هدر المال العام وإضعاف هيبة الدولة.

في هذا المقام، لابد من التوقف عند السمات الديموغرافية لطالب الوساطة، حيث تكشف المعطيات عن غلبة واضحة للطابع الذكوري، إذ لا تتجاوز نسبة النساء 24.63% من مجموع المتظلمين، مقابل 75.37% للرجال، وعلاوة على ذلك، نجد أن حضور النساء يضعف بشكل ملحوظ في ملفات التظلم، رغم أن بعض الشكايات المقدمة من قبلهن تكون غالباً لمصلحة الرجل، وقد حاولنا تفسير هذه الظاهرة في ضوء معيقات ثقافية أو إجرائية تحد من استعمال النساء لحق التظلم، وهي معيقات تستدعي تدخلاً تواصلياً موجهاً، ومن وجهة نظرنا، فإن هذا التفاوت يعكس أيضاً محدودية تمكين النساء من حقوقهن الإدارية، وهو ما يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين التوعية والتمكين القانوني.

ومن جهة أخرى، يظهر الانتماء الجغرافي تمركزاً واضحاً للطلب في الجهات الحضرية الكبرى، وفي نفس الصدد، لابد من التأكيد على أن الفجوة بين الجهات تعكس تفاوتاً في الوعي بوجود المؤسسة، وفي سهولة الولوج إلى خدماتها، مما يطرح إشكالية العدالة المجالية في الولوج إلى آليات الوساطة، وتكشف المفارقة أن مستعملي المنصة الرقمية e-plainte هم في غالبيتهم من القاطنين بالمدن الكبرى بنسبة 35.83%، فيما يضطر سكان المناطق النائية للتنقل الفعلي إلى مقر المؤسسة، وهو ما يسلط الضوء على تحد مزدوج يتمثل في توسيع أثر الرقمنة وضمان الإنصاف الترابي، وهذه القضية تهمنا أيضاً من زاوية حماية المال العام، حيث أن الفجوة الرقمية تؤدي إلى حرمان فئات واسعة من حقها في الولوج إلى آليات الإنصاف، مما يكرس التهميش ويضعف الثقة في المؤسسات.

في سياق متصل، يكشف تحليل توزيع التظلمات حسب القطاعات الإدارية عن تمركز ملحوظ لقطاع الداخلية (26.10%)، يليه قطاع الاقتصاد والمالية (15.73%)، ثم قطاع السياحة والصناعة التقليدية (11.33%)، وبغض النظر عن الأهمية الطبيعية لهذه القطاعات، فإن حضور قطاع مثل السياحة يرتبط بظروف سياقية خاصة تتعلق ببرنامج "فرصة"، فيما يشكل تواجد قطاع الصحة في القائمة القصيرة للإدارات الأكثر تردداً تعبيراً على التحولات النوعية في خريطة التوترات المرفقية، ومن الضروري الإشارة إلى أن مجال العدالة يستمر في الاستحواذ على النسبة الكبيرة من ملفات التوجيه (45.88%)، مما يشكل دليلاً على ارتباك المرتفقين بين خيار العدالة وخيار الحلول غير القضائية، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية منظومة العدالة ككل.

تنبني تقنية التحليل المعتمدة في التقرير على رصد الاختلالات المرفقية من خلال التظلمات الواردة على المؤسسة، وتصنيفها إلى اختلالات هيكلية وأخرى وظيفية، وعلى المستوى العملي، توزعت هذه الاختلالات على عدة مستويات، يأتي في مقدمتها ضعف تجاوب الإدارات مع تدخلات المؤسسات الدستورية، والقصور في التنسيق والتفاعل، وتعقيد المساطر، وإشكالية الولوج الرقمي، وفي هذا الإطار، لابد من التأكيد على أن الحق في السكن اللائق عانى من اختلالات متعددة، تمثلت في عدم ضبط مسطرة إعادة الإيواء، ومحدودية آليات معالجة البنايات الآيلة للسقوط، وتضارب المعايير بين المتدخلين، كما أن الحق في الصحة لم يسلم من هذه الاختلالات، حيث سجلت المؤسسة تأخراً في معالجة ملفات استرجاع المصاريف الطبية، ورفضاً لتعويض أدوية باهظة الثمن، وتدخلاً من صناديق الاحتياط الاجتماعي في قرارات الأطباء، وهذه الاختلالات، من وجهة نظرنا، تنذر بخطورة استمرار هدر المال العام وسوء تدبير المرافق الحيوية.

من الجدير بالملاحظة أن برنامج "فرصة" شكل نموذجاً صارخاً للاختلالات في تدبير البرامج العمومية، حيث توصلت المؤسسة بـ 585 تظلماً من شباب استوفوا جميع شروط البرنامج لكنهم حرموا من التمويل بسبب استنفاد الغلاف المالي، وفي هذا المقام، لابد من الوقوف عند مفارقة دالة، حيث اعتمد البرنامج ترتيباً زمنياً رقمياً مجرداً فرض استبعاد فئة من المستفيدين المستوفين للشروط، دون مراعاة للعدالة الشاملة، وقد أصدرت المؤسسة في هذا الملف 17 قراراً بعدم القبول، و6 قرارات بالتسوية، وقرارات أخرى بالحفظ، ولكن لا يفوتنا أن ننوه بأن الحكومة أبدت تفاعلاً مع هذا الملف، حيث أحال رئيس الحكومة مقترح المؤسسة على الوزيرة المعنية، مؤكداً أن عدد الملفات المعنية لا يتجاوز 272 طلباً، ومع ذلك، فإن هذا الملف يطرح إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تدبير البرامج العمومية وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص، وهي قضايا جوهرية في مسار محاربة الفساد وحماية المال العام.

في سياق متصل، يطرح ملف تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة إشكالية بنيوية تعكس اضطراباً في منظومة الحكامة، وقد رصدت المؤسسة استمرار بعض الإدارات في الامتناع عن تنفيذ الأحكام، خاصة في مجال "ترتيب الآثار القانونية"، وذلك بدعوى غموض هذه الصيغة، أو باستعمالها كمبرر غير مشروع للتهرب من التنفيذ، ونتيجة ذلك، تتحول المادة 9 من قانون المالية لسنة 2020، التي تنص على منع الحجز على أموال الدولة مع منحها أجلاً أقصاه أربع سنوات، إلى ذريعة للتأجيل المفتوح، في غياب آليات زجرية أو رقابية فعالة، ويبقى التساؤل المطروح حول كيفية الخروج من هذا المأزق، في ظل ما تطرحه هذه الإشكالية من أسئلة عميقة حول مبدأ سمو القانون وفعالية المسار القضائي، ومن وجهة نظرنا، فإن استمرار هذه الممارسات يُعد شكلاً من أشكال الإفلات من العقاب، ويُضعف ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويُكرس ثقافة الإفلات من المساءلة.

على المستوى الإجرائي، تظهر مؤشرات تجاوب الإدارة مع تدخلات المؤسسة مزيجاً من الإيجابيات والتحديات، ففي الجانب الإيجابي، ارتفعت قرارات التسوية من 1.505 سنة 2023 إلى 1.781 سنة 2024، بنسبة زيادة بلغت 18.34%، كما بلغت القيم المالية الإجمالية للتوصيات المنفذة 33.319.559,14 درهماً، في حين بلغت القيم المالية لقرارات التسوية 118.295.562,92 درهماً، وفي مقابل ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تتمثل في 640 توصية غير منفذة، و370 مراسلة دون جواب، و31 جلسة بحث تخلفت عنها الإدارات المعنية، ومن الجدير بالملاحظة أن مؤشر الزمن كشف عن مفارقة دالة، حيث بلغ معدل آجال تنفيذ التوصيات 672 يوماً، في حين بلغ معدل آجال جواب الإدارة في الموضوع 83 يوماً، متجاوزاً الأجل القانوني المحدد بشهرين، وهذه الأرقام، من وجهة نظرنا، تعكس ضعفاً في ثقافة التجاوب المؤسساتي، واستهانة بحقوق المواطنين، وهو ما يتطلب تدخلاً عاجلاً لتعزيز آليات المساءلة والمتابعة.

انطلاقاً مما سلف، يمكن القول إن تدخل المؤسسة في أزمة طلبة كليات الطب والصيدلة شكل نموذجاً ناجحاً للوساطة المؤسساتية، حيث تحول الملف من خلاف بيداغوجي داخلي إلى أزمة عامة، وفي هذا الإطار، توصلت المؤسسة بطلب تسوية ودية من اللجنة الوطنية بتاريخ 03 شتنبر 2024، وأسفر المسار عن التوصل إلى تسويتين توافقتين مكنتا من الاستجابة لعدد معتبر من المطالب، شملت تحسين جودة التكوين، ومراجعة التعويضات، وإلغاء النقطة الصفر للطلبة، وإعادة برمجة الامتحانات الاستثنائية، وإشراك الطلبة في النقاش البيداغوجي، وهو ما يعكس قدرة المؤسسة على تجاوز دورها التقليدي كجهة لمعالجة التظلمات الفردية، ويبرز أهمية الوساطة المؤسساتية كآلية لحل النزاعات الاجتماعية قبل تفاقمها.

في مستهل الحديث عن موضوع السنة، لابد من التأكيد على أن اختيار المؤسسة لموضوع "الحقوق المرفقية لفئة الأشخاص السجناء وسؤال إعادة الإدماج" يعكس وعياً متزايداً بأهمية معالجة قضايا الفئات الهشة، ومن البديهي أن نقر بأن فقدان السجين لحرية التنقل لا يعني فقدانه لحقه في الاستفادة من الخدمات العمومية، غير أن التطبيق العملي لهذا المبدأ يظل رهيناً بوجود ضوابط قانونية واضحة، وقد أوصت المؤسسة بإرساء مفهوم "الإدماج المرفقي التصالحي" الذي يقوم على زوال الخصومة، والبناء على التسامح وفلسفة العفو، وإعمال مبدأ الإنصاف في تلبية حاجيات السجناء، وهذا التوجه، من وجهة نظرنا، ينسجم مع المقاربة الحقوقية الشاملة التي ندافع عنها، ويُعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تعزيز حماية حقوق الفئات الأكثر هشاشة.

وفي ختام هذا التحليل، هكذا يتبين أن التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024 لم يكن مجرد حصيلة رقمية، بل وثيقة استراتيجية تعكس تحولات عميقة في منظومة الحكامة العمومية، وقد تمكنت المؤسسة، رغم التحديات، من ترسيخ موقعها كفاعل مستقل في تكريس مبادئ الحكامة الجيدة، والدفاع عن الحقوق المرفقية، وتعزيز ثقة المواطنين في الإدارة، غير أن هذا المسار المتجدد يضع المؤسسة أمام جملة من التحديات المؤسسية والرهانات الأساسية، التي تتطلب مواصلة العمل عليها خلال السنوات المقبلة، وفي مقدمتها تعزيز دورها كفاعل يقظ في تقييم حالة الإنصاف الإداري، ومرافقة السياسات العمومية ذات الصلة بالحق في الإدارة الجيدة، وتعميق وظيفتها كهيئة للوساطة المؤسساتية في قضايا التوترات المرفقية، وخلاصة القول، فإن المشاريع الاستراتيجية الثمانية المقترحة في هذا التصور للآفاق المستقبلية لا تمثل مجرد تجميع لبرامج، بل تجسد رؤية مؤسساتية متكاملة، تنبني على قناعة راسخة بأن أدوار الوساطة المؤسساتية اليوم باتت في قلب رهانات بناء الدولة الاجتماعية الحديثة، وفي صميم جهود حماية المال العام ومحاربة الفساد، وهو ما يضعنا جميعاً، كمؤسسات مجتمع مدني، أمام مسؤولية مواكبة هذا المسار والمساهمة في تعزيز مكاسبنا في مجال الحكامة وحماية الحقوق.

المصدر المعتمد: التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2024 (الصفحات 5-200)

الجهة الناشرة: الجريدة الرسمية، العدد 7423، بتاريخ 22 يوليو 2025 (26 محرم 1447)

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك