بقلم: د.حمد أحدو
حين يزور المرء
مسقط رأسه، سيدي يحيى الغرب ، بعد غياب
عنها، ينتابه شعور مرير بأن الزمن قد توقف في هذه الرقعة؛ فمعالم التردي
واضحة تماماً على العمران والإنسان، حتى ليُخيّل إليك أنك تعيش خارج العصر، في ركنٍ
سقط من حسابات التنمية. إنها زيارة استثنائية لأبناء الأجيال السابقة، الذين عاشوا
ذكريات المدينة- الجزء منها - بتفاصيلها
العميقة العالقة في الأذهان، والتي لا تكاد تدرك قيمتها الأجيال الحالية. هناك،
عند عتبات الذاكرة، تتزاحم المشاعر بين شوق وحنين جارف لما مضى، وحزن وكرب شديدين
لما هو كائن اليوم.
تطوف
معالم هذا الحزن وسط فوضى عارمة للمجال؛ عربات مجرورة تزاحم وسائل النقل الحديثة،
وحفر متناثرة كأخاديد تشوه وجه الأرض، وغبار يلف التفاصيل. هذا المشهد هو تجلٍ
صارخ لظاهرة "ترييف المدينة"؛ فبدل أن تمد المدينة يدها للمحيط القروي
لترتقي به وتمدّنه، استسلمت هي لثقافة الهامش، واكتست بجلباب قروي لا يلائم طموح
التمدن، ليتراجع مفهوم "المدنية" وتعوضه العشوائية.
وكل
ما أُتلف وضاع من هوية المدينة تظل آثاره الباكية شاهدة في الشارع الرئيسي؛ ذلك
الشريان الذي كان فيما مضى حيا، نابضاً بالحياة قبلة شباب الامس وملتقى الساكنة ،
ومسرحاً لذاكرة جماعية تؤثثها واجهات لها وزنها في وجداننا:
غابت
اليوم "الكنيسة" التي كانت معلمة تاريخية بارزة للمدينة، وضاع بجوارها
"مقهى فيليب"، يليه "منزل البنك" الذي عمرته فيما مضى أسرة
الحاج حقي (اللاكي) رحمه الله.
اختفت
"دار بنشاية" التي كانت معلمة شامخة في زمانها، وغاب في مقابلها
"منزل سيرة" و"منزل الطبيب فازيك"؛ وهي بيوت لم تكن مجرد
جدران، بل شواهد على نمط عيش منسق وراقٍ يؤثث فضاء الشارع.
انطفأت
أنوار "مقهى عبد الجبار"، وغابت قاعة "سينما الريف" (كوباكابانا)
التي كانت نافذة جيل كامل على الفرجة ولحظات الحلم أمام الشاشة الكبرى مع الأفلام
الهندية وأفلام الكاراطي مثل (دوستي، بروس لي، وجاكي شان).
ولم
يسلم من هذا المحو حتى النسيج الإداري والتجاري الدافئ؛ فاستحال "المنزل
الفسيح للأشغال العمومية" (Travaux Publics)
وذكريات "أسرة هوازين" التي سكنته إلى مجرد أطلال متهدمة، وغابت محلات
الحاج بنداود والحاج سعيد (رحمه الله) والمقهى المجاورة لهما، والتي كانت نقط
ارتكاز تمنح الشارع هويته التواصلية الحميمة.
لقد
امتد هذا الفقد ليشمل حياً كان رمزاً حقيقياً للحداثة وهو حي "لا سيتي"
(La Cité)؛ البقعة التي كانت
أعناقنا تشرئب إليها كفضاء خارج زمن المدينة التقليدي بشارعه الخاص الذي لا يسمح
للمرور منها، وإطلالة ساحرة على العصرنة من خلال "نادي لا سيليلوز"،
والمسبح الخاص بأسر أطر الشركة، والملاعب المرفقة به كملعب كرة الطائرة، ومدرستها
الخاصة التي كانت تدرس أبناء تلك الأطر بمنظومة تعليمية فرنسية. كنا نستنشق من
خلال هذه الفضاءات نموذج الحياة الحديثة، في قلب مدينة ترتسم ذكرياتها بدفء
العلاقات بين ساكنتها؛ حيث الجميع يعرف الجميع والاسر موحدة في علاقات فيما بينها
، وتتداخل الأواصر عبر تقسيم مجالي ذي تراتبية واضحة ومؤثرة بين ثلاثة مجالات:
"لا
سيتي": الحي الأوروبي الذي يجسد الحداثة.
"الفيلاج":
الذي يضم الساكنة المتوسطة من الموظفين والعمال.
"الدوار"
(تحديداً دوار الشانطي): الذي يمثل الأصل في المدينة، ومنبع النسيج الاجتماعي
القوي بعلاقاته الإنسانية المتينة.
اليوم،
يقف هذا الفضاء كله—الذي أصبح جلّه أطلالاً أو انمحى تماماً—كشاهد إثبات على ضياع
أثر ماضي المدينة؛ فأرصفتها المتآكلة اليوم
تروي حكاية الإهمال بعد أن تحولت تلك الواجهات الحية والمجالات المنظمة إلى
فوضى عشوائية، فتاهت هوية المكان بين ماضٍ كان يَعِدُ بالكثير، وحاضرٍ يغرق في
"الترييف" وصخب العربات والباعة الجائلين.
وإن
هذا "الحزن المورفولوجي" للمدينة ينعكس تلقائياً على الإنسان اليحيوي؛
فتلَمح في عيون كبار السن والأجيال التي عايشت هذا الماضي حسرة صامتة على رقيٍّ
مفقود، بينما يسيطر على عيون شبابها اليوم إحباط دفين ورغبة في الرحيل عن بيئة
باتت طاردة تشبه محطة قطار منسية، توقف فيها قطار التنمية ولم يعد يزورها الفرح
والأمل في القادم.
إن
تشخيص واقع سيدي يحيى الغرب اليوم لا ينطلق من رغبة في البكاء على الأطلال، بل هو
صرخة سوسيولوجية وأخلاقية تستشعر خطورة موت الفضاء العام؛ فالمدينة ليست مجرد
إسمنت وجدران، بل هي رَحِمٌ لإنتاج القيم والمواطنة، وحين يصاب المجال بالانحلال،
يصاب الإنسان في عمق هويته وانتمائه ولا يبقى سوى ذكريات الماضي تلتصق بالاذهان
تذكر بأيام الطفولة والشباب .
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك