بقلم: محمد أحدو
إن النظافة في
الفضاء العام ليست مجرد ترف جمالي، بل هي المرآة العاكسة لرقي التدبير المحلي وصون
كرامة الساكنة.
غير أن استمرار
مدينة سيدي يحيى الغرب في اجترار معضلة "التنفس وسط الأزبال" أمام الفشل
المتكرر في تدبير هذا القطاع، يؤكد أن المدينة لا تزال اليوم، تماماً كما كانت
بالأمس، قابعة تحت وصم "المركز الحضري بلا أفق تنموي".
هذا التوصيف
القاسي ليس مجرد انطباع عابر، بل هو تشخيص سوسيولوجي ينطبق عليها وعلى مثيلاتها من
المراكز المهمشة التي تفتقد لـ "بوصلة المستقبل".
وتتجلى
عناصر هذا الانسداد التنموي أولاً في غياب الهوية الاقتصادية المنتجة، حيث تتحول
المدينة إلى مجرد مستوطنة سكنية تعيش على هامش الأقطاب الصناعية الكبرى المجاورة،
بلا مناطق صناعية حقيقية أو مشاريع مهيكلة تمتص بطالة الشباب.
وثانياً، يبرز
عنصر "استنزاف النخب"، حيث تتحول هذه المراكز إلى بيئات طاردة للكفاءات
والمثقفين والنخب المتنوعة الذين يجدون أنفسهم مضطرين للهجرة بحثاً عن فضاءات
تحترم طموحهم، مما يترك تدبير الشأن المحلي رهيناً برؤى تفتقر للإبداع والجرأة
والكفاءة، وهو ما ينعكس سلباً على حال المدينة التي تزداد تردياً.
وثالثاً، يتجسد
غياب الأفق في سياسة "التنمية التجميلية" التي تركز على تأهيل الواجهات
والأرصفة مع إهمال البنيات التحتية العميقة والخدمات الأساسية كالنظافة والصرف
الصحي والمرافق الثقافية.
إن
هذا التردي البيئي المتكرر الذي تعيشه المدينة ليس إلا عَرَضاً لمرض أعمق يتعلق
بضعف الحكامة وتشتت المسؤوليات؛ فالمجلس الجماعي يظل المسؤول المباشر عن فشل
التخطيط وتراخي الرقابة على شركات التدبير المفوض، بينما تتحمل "مجموعة
الجماعات" – التي أصبحت عبئاً على المدينة – نصيبها في العجز عن إيجاد حلول
ناجعة لهذا الإشكال الذي يطفو بشكل متكرر دون معالجة جذرية.
وهو ما يستدعي
تدخل السلطة الوصية في اطار مسؤولياتها ،
باعتبارها الطرف المؤتمن على مراقبة مشروعية القرارات لانتشال المدينة من التهميش
المجالي والوضع البيئي الذي لا يتناسب مع مركز حضري له تاريخ وإرث مقاوم، ومقدرات
بشرية هائلة من الطاقات والكفاءات المنتشرة عبر ربوع الوطن وخارجه، وموقع جغرافي
حري بأن يجعل من المدينة منطقة جذب بالقرب من المنطقة الحرة الأطلسية.
إن
تداخل هذه المسؤوليات وعدم وفاء كل طرف بواجباته جعل من سيدي يحيى الغرب
"منطقة انتظار" دائم لمشاريع لا تأتي، وحتى إن أتى البعض منها فإن
تنزيله يطرح من الأسئلة أكثر مما يلبيه من انتظارات.
إن إنقاذ المدينة
يتطلب قطيعة حقيقية مع ممارسات الماضي، والانتقال من منطق "التدبير اليومي
للأزمات" إلى منطق "التخطيط الاستراتيجي" الذي يعيد للمدينة
كرامتها البيئية والمجالية التي تستحقها ويمنح لشبابها أفقاً يتجاوز حدود النسيان،
عبر تضافر جهود المنتخبين، ومجموعة الجماعات، والإدارة الترابية، في إطار رؤية
تنموية مندمجة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار ، بعيدا عن حسابات السياسة
والمصالح الشخصية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك