سجنان…حين لا تنتهي الأبواب عند الحرية

سجنان…حين لا تنتهي الأبواب عند الحرية
أقلام حرة / الجمعة 23 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:عبد الفتاح الحيداوي

لم يكن السجن جدارا فقط.
الذين مروا به يعرفون أنه سجنان، لا سجنا واحدا.
السجن الأول هو الذي يغلق عليك من الخارج:
زنازن باردة، فراش خشن، حديد وأقفال، ممرات ضيقة، ووجوه معتقلين تحمل قصصا أثقل من الجدران. سجن له مدير، وغالبا ما يكون وجهه عبوسا قبل أن يعرف اسمك، كأن العبوس جزء من الزي الرسمي، وكأن الصرامة لا تكتمل إلا بنبرة قاسية وكلمات نابية. لا أدري إن كانت هذه الثقافة تدرس في دورات التكوين، أم تورث مع المنصب.
أتذكر يوم نقلت إلى أحد السجون. استقبلني المدير بوجه متجهم، لا يعرفني، لكنه قرر أن يخيفني قبل أن أتكلم. بعده جاء دور رئيس المعقل، قرأ السجل ببرود وقال:
(دخلت سنة كذا، وتخرج سنة كذا.)
اعترضت بهدوء: الخروج بإذن الله، ولو أراد الله أن أخرج غدا لهيأ الأسباب.
نظر إلي بعينين مرتجفتين، وقال بحدة:
(لا تقاطعني، أنا أقرأ المكتوب. اترك فلسفتك في رأسك)
أدخلوني الزنزانة. سلمت، فلم يرد أحد. كانت الأنفاس محبوسة، والعيون معلقة على باب أُغلق للتو. حين ابتعد رئيس المعقل، تفحصت الوجوه التي ستصير، مع الوقت، عائلتي الصغيرة. أعدت السلام، وسألتهم:
لماذا لم تردوا؟
تكلم رجل كبير في السن، عرفت لاحقا أنه عاش نصف عمره في السجون، تنقل بين السرقة وبيع الحشيش، وتعلم من القضبان أكثر مما تعلم من الحياة. قال:
(قبل أن يأتوا بك، دخلوا زنزانتنا وأخذوا الهواتف والتلفاز. قالوا إنك لا تشاهد التلفاز)
قلت بدهشة: وكيف عرفوا؟ إلى هذا الحد يحترمون إرادتي
قال بحرقة: أصبر على كل شيء إلا التلفاز
قلت له: غدا نذهب إلى رئيس المعقل ونطلب إرجاعه
ضحكوا يومها، ثم صدقوا لاحقا أن بعض الوعود توفى، حتى داخل الأسوار.
مع الأيام صرنا إخوة. كانوا يسألونني:
لماذا صوّروك لنا بهذا الشكل؟
كنت أبتسم وأقول:
حتى يكتمل السيناريو، ويظهر المتطرف كما ينبغي، ولو رغما عني.
هذا كان السجن الأول.
قاس واضح المعالم، له باب يغلق وباب يفتح، وله زمن يعد بالأيام.
لكن السجن الثاني…
ذلك الذي يبدأ حين تخرج.
تخرج فلا تجد إدماجا حقيقيا ولا تطبيبا لجروح لا ترى، ولا من يساعدك على نسيان جلسات الاستنطاق، ولا ليالي التحقيق، ولا ما تركته القسوة في الروح. تعيش حرا في الشارع، لكنك سجين في داخلك.
كل نظرة شك، كل سؤال ملغوم، كل باب يغلق في وجهك لأن ملفك لا يزال مفتوحا في ذاكرة الآخرين.
السجن الثاني بلا جدران، لكنه أوسع وأقسى.
لا مدير له، ولا موعد خروج.
وفيه يتعب الإنسان أكثر، لأن الألم فيه صامت، ولأنك تطالَب أن تبدأ من الصفر، كأن شيئا لم يكن.
كل من ذاق السجن سيفهم:
الأول يعلمك الصبر،
أما الثاني فيختبر قدرتك على البقاء إنسانا.
هذه ليست شكوى
إنها مذكرات من رجلٍ تعلم أن الحرية لا تقاس بخروج الجسد فقط
بل بخروج الروح أيضا.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك