أنتلجنسيا:أبو فراس
لم تعد المقاتلات الشبحية مجرد أسلحة متطورة تحلق في السماء، بل تحولت إلى عنوان لصراع استراتيجي عالمي يرسم حدود التحالفات ويحدد مواقع الدول داخل معسكرات النفوذ الكبرى. وبينما تواصل الولايات المتحدة فرض هيمنتها عبر مقاتلة "إف-35"، تسعى الصين وروسيا إلى بناء معسكر موازٍ يعتمد على مقاتلات الجيل الخامس الخاصة بهما، في سباق يتجاوز التكنولوجيا إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للعالم.
وتكشف المعطيات الحديثة أن مقاتلة "إف-35" الأمريكية أصبحت العمود الفقري لأكبر شبكة جوية شبحية في التاريخ، بعدما تجاوز عدد الطائرات المسلمة 1300 مقاتلة موزعة على أكثر من 17 دولة، فيما تبنت أكثر من 20 قوة جوية هذه المنصة القتالية باعتبارها خيارها الاستراتيجي الأول. وتشمل القائمة الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وأستراليا وإسرائيل وكوريا الجنوبية وألمانيا وفنلندا وبولندا وكندا ودولاً أخرى اختارت الاندماج الكامل في المنظومة العسكرية الأمريكية.
غير أن المعسكر المقابل لا يقف مكتوف الأيدي. فالصين تواصل الدفع بمقاتلاتها الشبحية نحو الأسواق الدولية عبر مشروع "جي-35A"، الذي تستعد باكستان لتكون أول زبون أجنبي له، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز التسلح إلى ترسيخ محور عسكري جديد في آسيا. وفي المقابل، نجحت روسيا أخيراً في إيجاد أول مشترٍ أجنبي لمقاتلتها "سو-57"، بعدما تأكد انضمام الجزائر إلى قائمة مستخدمي هذا الطراز المتطور، لتصبح أول دولة خارج روسيا تدخل رسمياً نادي هذه المقاتلة.
وتبرز أخطر دلالات هذا السباق في حقيقة أن الدول المشغلة للمقاتلات الشبحية لم تعد تجمع بين المنظومات المتنافسة كما كان يحدث مع مقاتلات الجيل الرابع. فكل دولة تدخل عالم الجيل الخامس تجد نفسها مضطرة لاختيار معسكر واحد فقط، إما الأمريكي أو الصيني الروسي، بسبب ارتباط هذه الطائرات بشبكات استخبارات وصيانة وتسليح واتصالات شديدة الحساسية لا تسمح بالتداخل بين المنافسين.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة توسيع دائرة نفوذها عبر "إف-35"، تحاول الصين استغلال تأخر مشاريع المنافسين لجذب مزيد من الحلفاء، بينما تراهن روسيا على تحويل صفقة الجزائر إلى بوابة لاختراق أسواق جديدة. ويؤكد مراقبون أن معركة المستقبل لن تكون فقط حول عدد الطائرات أو قدراتها القتالية، بل حول القدرة على بناء شبكات تحالف طويلة الأمد تضمن النفوذ السياسي والعسكري لعقود مقبلة.
وفي خضم هذا التنافس المحتدم، تبدو أوروبا نفسها أمام تحديات متزايدة بعد تعثر مشاريعها المستقلة للمقاتلات المتقدمة، ما يعزز اعتماد العديد من دولها على المنظومة الأمريكية، في وقت تواصل فيه مشاريع أخرى مثل "GCAP" البحث عن موطئ قدم في سوق الجيل القادم من الطائرات القتالية.
وهكذا، لم تعد المقاتلات الشبحية مجرد أدوات حرب حديثة، بل أصبحت مؤشراً حاسماً على الاصطفاف الدولي، حيث يختار كل بلد موقعه داخل إحدى أكبر معادلتين عسكريتين في العالم، في سباق مرشح لإعادة رسم موازين القوة العالمية خلال السنوات المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك