أنتلجنسيا:أبو فراس
تتسارع وتيرة التنافس العسكري بين المغرب والجزائر بشكل غير مسبوق، في مشهد بات يثير قلق المراقبين والخبراء الاستراتيجيين الذين يرون أن المنطقة دخلت فعليا مرحلة جديدة من سباق التسلح المكثف، تتجاوز أبعاده الحسابات الإقليمية التقليدية لتتحول تدريجيا إلى ساحة تجاذب بين قوى دولية كبرى، حيث يبرز المغرب كشريك استراتيجي للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، بينما تواصل الجزائر تعزيز تحالفها العسكري والتقني مع روسيا والصين في إطار معادلة جيوسياسية آخذة في التشكل على ضفاف المتوسط وشمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، أثار الظهور الميداني الجديد لمقاتلات "سوخوي سو-35" ضمن القوات الجوية الجزائرية اهتماما واسعا داخل الدوائر العسكرية، بعدما أكدت صور ومقاطع متداولة دخول هذه الطائرات المتطورة إلى الخدمة الفعلية، في خطوة تعكس مواصلة الجزائر تنفيذ برنامج واسع لتحديث قدراتها الجوية وتعزيز مكانتها ضمن القوى العسكرية الأكثر تسلحا في القارة الإفريقية.
وتشير المعطيات المتخصصة إلى أن هذه المقاتلات وصلت إلى الجزائر بعد نقلها من المصانع الروسية خلال الأشهر الماضية، قبل أن تظهر وهي تحمل الشارات الرسمية للقوات الجوية الجزائرية، وسط تقديرات تفيد بأن جزءا من هذه الطائرات كان موجها في الأصل إلى أسواق أخرى قبل أن ينتهي به المطاف ضمن الترسانة الجزائرية.
وبحسب تقارير عسكرية دولية، فإن الجزائر تعاقدت على عدد مهم من مقاتلات "سو-35"، في صفقة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات عند احتساب التسليح والتكوين والدعم اللوجستي وقطع الغيار، ما يجعلها واحدة من أبرز صفقات التسلح التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. وتعد هذه الطائرة من أكثر المقاتلات الروسية تطورا ضمن فئة الجيل الرابع المطور، بفضل قدراتها الكبيرة في القتال الجوي والرصد بعيد المدى وحمل تشكيلة واسعة من الصواريخ والذخائر الموجهة.
ويأتي هذا التطور في وقت تواصل فيه الجزائر الاعتماد بشكل مكثف على الصناعات العسكرية الروسية، حيث راكمت على مدى عقود ترسانة ضخمة تضم مقاتلات متقدمة ومنظومات دفاع جوي وغواصات وسفنا حربية ودبابات حديثة ومروحيات هجومية، ما جعلها أحد أهم زبائن السلاح الروسي على المستوى العالمي وأحد أبرز الشركاء العسكريين لموسكو خارج الفضاء السوفياتي السابق.
كما تتحدث تقارير دولية عن تقدم مشاريع اقتناء الجزائر لمقاتلات الجيل الخامس "سو-57"، وهو ما من شأنه أن يرفع من سقف المنافسة العسكرية في المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها موازين القوى الإقليمية.
في المقابل، لم يقف المغرب مكتوف الأيدي أمام هذا التحول، بل انخرط بدوره خلال السنوات الأخيرة في عملية تحديث شاملة لقدراته الدفاعية، عبر تعزيز شراكته العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية والحصول على منظومات قتالية متطورة وطائرات حديثة وتكنولوجيا دفاعية متقدمة، فضلا عن تطوير قدراته في مجالات الحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار والدفاع الجوي والصناعات العسكرية المحلية.
ويرى متابعون للشؤون الاستراتيجية أن ما يجري اليوم لم يعد مجرد تنافس تقليدي بين بلدين جارين، بل أصبح يعكس صراعا غير مباشر بين محورين دوليين متنافسين، أحدهما تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون ويجد في المغرب أحد أبرز شركائه الإقليميين، والثاني تقوده روسيا والصين اللتان تعتبران الجزائر نقطة ارتكاز مهمة لنفوذهما العسكري والسياسي في شمال إفريقيا.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا التسابق المحموم نحو امتلاك أحدث المنظومات القتالية قد يرفع من مستوى التوتر ويزيد من هشاشة الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل القطيعة السياسية المستمرة بين الرباط والجزائر وتراكم الملفات الخلافية بين البلدين. كما أن ضخ مليارات الدولارات في صفقات التسلح المتطورة يعكس حجم الرهانات الاستراتيجية التي أصبحت تحكم العلاقة بين الجارين أكثر من أي وقت مضى.
ومع دخول مقاتلات "سو-35" إلى الخدمة الجزائرية واستمرار المغرب في توسيع شراكاته الدفاعية الغربية، تبدو منطقة المغرب الكبير أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز سباق نفوذ عسكري مفتوح تتداخل فيه الحسابات المحلية مع مصالح القوى الكبرى. وبينما تؤكد الرباط والجزائر أن تعزيز قدراتهما الدفاعية يندرج في إطار حماية الأمن القومي، فإن حجم التسلح المتسارع وطبيعة التحالفات الدولية المحيطة به يجعلان هذا التنافس واحدا من أكثر الملفات حساسية وإثارة للقلق في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك