أنتلجنسيا:أبو جاسر
في وقت تنشغل فيه دول العالم بتعزيز قدراتها العسكرية التقليدية على الأرض وفي البحر والجو، يبدو أن المغرب بدأ يوجه أنظاره نحو ساحة أكثر تعقيداً وحساسية: الفضاء الخارجي.
فالمعطيات المتداولة بشأن لقاء جمع مسؤولين عسكريين مغاربة بممثلي شركة برازيلية متخصصة في التكنولوجيا الفضائية أعادت إلى الواجهة نقاشاً متنامياً حول طموح المملكة لبناء قدرات متقدمة في مجال الدفاع الفضائي وحماية أصولها الاستراتيجية خارج الغلاف الجوي.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المباحثات همت نظام "HORUS"، وهو منصة رقمية متطورة متخصصة في مراقبة الأنشطة الفضائية وتحليل حركة الأقمار الاصطناعية والأجسام التي تدور في المدارات الأرضية.
ورغم عدم صدور تفاصيل رسمية موسعة بشأن طبيعة المشروع أو مراحله المحتملة، فإن مجرد الاهتمام بهذه التقنيات يعكس التحول العميق الذي تعرفه العقيدة الأمنية والعسكرية للدول الحديثة.
ففي القرن الحادي والعشرين لم يعد الأمن القومي مرتبطاً فقط بحماية الحدود البرية أو المجال البحري أو الأجواء الوطنية، بل أصبح الفضاء نفسه جزءاً من معادلة القوة والسيادة.
فالأقمار الاصطناعية اليوم تدير الاتصالات والملاحة الجوية والبحرية وتوفر الصور الاستخباراتية وتدعم الأنظمة العسكرية والمدنية على حد سواء، ما يجعل أي تهديد لها تهديداً مباشراً للأمن الوطني.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للمغرب الذي راكم خلال السنوات الأخيرة خبرة متقدمة في المجال الفضائي من خلال إطلاق أقمار صناعية مخصصة للمراقبة والرصد، ما عزز قدراته في مجالات الأمن وإدارة الكوارث وتتبع التحولات البيئية والتنموية.
ومع اتساع الاعتماد على التكنولوجيا الفضائية، أصبحت الحاجة إلى حماية هذه المنظومات أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
ويرى متابعون أن القيمة الحقيقية للأنظمة الحديثة من قبيل "HORUS" لا تكمن فقط في تتبع الأقمار الاصطناعية، بل في توفير ما يعرف بـ"الوعي الفضائي"، أي القدرة على فهم كل ما يجري داخل المدار المحيط بالأرض ورصد المخاطر المحتملة قبل تحولها إلى تهديد فعلي.
ويشمل ذلك مراقبة الأقمار الأجنبية، وتتبع الحطام الفضائي، ورصد محاولات التشويش الإلكتروني أو الاقتراب غير المرغوب فيه من الأقمار الوطنية.
ويؤكد خبراء أن السباق العالمي نحو الفضاء لم يعد حكراً على القوى الكبرى التقليدية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، بل أصبح مجالاً مفتوحاً أمام الدول الصاعدة التي تسعى إلى تأمين مصالحها الاستراتيجية بأدوات أكثر تطوراً وأقل تكلفة من المشاريع الفضائية الضخمة التي كانت تتطلب استثمارات هائلة في الماضي.
وفي هذا السياق، يعتقد بعض المراقبين أن المغرب يتحرك وفق رؤية استباقية تهدف إلى مواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا، خصوصاً مع تزايد التهديدات السيبرانية والإلكترونية والاعتماد المتنامي على البنى الفضائية في تدبير مختلف القطاعات الحيوية.
في المقابل، يدعو آخرون إلى التعامل بحذر مع بعض الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أن الحديث عن "نادي الدفاع الفضائي" أو "تفوق فضائي مغربي" ما يزال بحاجة إلى معطيات رسمية أوضح تحدد طبيعة التعاون وحجمه وأهدافه الفعلية.
فبين الطموحات المشروعة والقراءات المتحمسة، تبقى الوقائع المؤكدة مرتبطة بتطور التعاون التكنولوجي والعسكري في مجال أصبح يشكل أحد أهم ميادين المنافسة الدولية.
ومهما كانت التفاصيل النهائية لهذا المشروع، فإن المؤكد أن المغرب لم يعد ينظر إلى الفضاء باعتباره مجرد مجال علمي أو تقني، بل باعتباره ساحة استراتيجية جديدة ترتبط مباشرة بمصالحه الحيوية وأمنه القومي.
ومع تسارع التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية، يبدو أن المملكة تسعى إلى تثبيت موقعها ضمن الدول التي تدرك أن معارك المستقبل لن تُحسم فقط فوق الأرض، بل أيضاً في المدارات التي تحيط بها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك