أنتلجنسيا:أبو فراس
في الوقت الذي تعيش فيه شرائح واسعة من المغاربة تحت ضغط البطالة وارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، تكشف التقارير الدولية المتخصصة في التسلح أن المغرب أصبح في السنوات الأخيرة أحد أكبر مستوردي السلاح في القارة الإفريقية، في مؤشر يثير جدلاً واسعاً حول ترتيب الأولويات داخل مراكز القرار في المملكة، وحول الكلفة السياسية والاجتماعية لسياسات التسلح المكثف التي تتواصل دون نقاش عمومي حقيقي أو مراقبة برلمانية صارمة.
المعطيات الصادرة عن "Stockholm International Peace Research Institute"، وهو أحد أهم مراكز البحث العالمية في قضايا التسليح، تشير إلى أن المغرب يحتل موقعاً متقدماً بين الدول الإفريقية المستوردة للأسلحة خلال السنوات الأخيرة، حيث أنفقت الدولة مليارات الدولارات على صفقات عسكرية ضخمة شملت الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي والأسلحة المتطورة، في سياق سباق تسلح إقليمي متصاعد.
هذا التوسع في الإنفاق العسكري يتم في ظل غياب نقاش مؤسساتي حقيقي حول تفاصيل هذه الميزانيات، إذ تمر معظم الصفقات العسكرية الكبرى في دوائر ضيقة من القرار دون أن تخضع لمراقبة دقيقة من البرلمان أو لنقاش عمومي شفاف حول جدواها الاقتصادية والسياسية، وهو ما يفتح الباب أمام انتقادات متزايدة من قبل فاعلين سياسيين وخبراء اقتصاديين يرون أن تضخم ميزانية الدفاع يأتي على حساب قطاعات اجتماعية حيوية مثل التعليم والصحة والتشغيل.
المفارقة الصارخة أن هذه المليارات التي تُضخ في صفقات السلاح تتزامن مع واقع اجتماعي صعب يعيشه ملايين المواطنين. فمعدلات البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، تظل مرتفعة، فيما تعاني الطبقات المتوسطة والفقيرة من ضغوط متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتدني الأجور مقارنة بمستويات الأسعار التي تشهد قفزات متتالية في الأسواق. هذه الفجوة بين الإنفاق العسكري الضخم والأزمات الاجتماعية المتفاقمة تثير تساؤلات عميقة حول فلسفة السياسات العمومية في البلاد.
منتقدو هذا النهج يرون أن المغرب دخل في سباق تسلح إقليمي مكلف قد لا يخدم بالضرورة مصالح المواطنين المباشرة، بل يعكس رؤية أمنية ضيقة تضع الاعتبارات الجيوسياسية فوق الأولويات الاجتماعية والاقتصادية الملحة. فالدول التي تسعى إلى بناء استقرار داخلي طويل الأمد غالباً ما تراهن على الاستثمار في الإنسان، في التعليم والتشغيل والتنمية الاجتماعية، وليس فقط في المعدات العسكرية باهظة الكلفة.
وفي ظل هذا الواقع، يطرح سؤال مركزي نفسه بقوة داخل النقاش العمومي: هل يمكن لدولة تعاني من بطالة واسعة في صفوف شبابها، ومن غلاء معيشة متصاعد، ومن تحديات تنموية عميقة، أن تواصل ضخ مليارات الدولارات في صفقات تسليح دون أن تواجه مساءلة سياسية ومجتمعية حقيقية؟ أم أن استمرار هذا التوجه يعكس اختلالاً عميقاً في ترتيب الأولويات داخل منظومة القرار، حيث يتم التضحية بحاجيات المواطنين اليومية لصالح حسابات استراتيجية مرتبطة بتوازنات إقليمية وصراعات جيوسياسية قد لا تعود بأي أثر مباشر على حياة المغاربة؟
الجواب عن هذا السؤال سيظل محور جدل واسع في المغرب خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا استمر التباين بين تضخم ميزانيات الدفاع وبين اتساع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها فئات واسعة من المجتمع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك