أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
على وقع تصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني، خرج وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتحذير غير مسبوق، معلناً أن بلاده قد تجد نفسها مضطرة للانخراط في سباق تسلح نووي إذا أدى تمدد القدرات الإيرانية إلى الإخلال بتوازن القوى في المنطقة.
فيدان، الذي كان يتحدث يوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 في مقابلة مع قناة CNN Türk، أكد أن أنقرة لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي ولا ترغب في سباق من هذا النوع، لكنه شدد على أن هذا المسار قد يصبح أمراً واقعاً إذا تزعزع الاستقرار الإقليمي بفعل التطورات النووية المتسارعة. الرسالة كانت واضحة: تركيا لن تقف متفرجة إذا شعرت بأن ميزان الردع يميل بشكل خطير.
التحذير التركي لم يأتِ في فراغ. فالتوتر بين طهران وواشنطن، والضربات الإسرائيلية المتكررة على أهداف مرتبطة بإيران، خلقت بيئة أمنية مشحونة تدفع القوى الإقليمية إلى إعادة حساباتها. فيدان أشار أيضاً إلى أن أي ضربة عسكرية محتملة ضد إيران لن تؤدي، على الأرجح، إلى تغيير النظام في طهران، محذراً من أن المنطقة لا تحتمل حرباً جديدة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
التصريحات أعادت إلى الواجهة مواقف سابقة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي تحدث في أكثر من مناسبة عن ما سماه “اللاعدالة النووية”، في إشارة إلى امتلاك دول معينة للسلاح النووي وحرمان أخرى منه. ويرى محللون أن أنقرة تحاول استثمار مناخ المفاوضات الأمريكية-الإيرانية للضغط في اتجاهين: كبح الطموح النووي الإيراني، وفي الوقت نفسه توجيه رسائل إلى إسرائيل والولايات المتحدة بأن أي اختلال استراتيجي ستكون له كلفة إقليمية.
من الجانب الإيراني، عبّر وزير الخارجية عباس عراقجي عن موقف حذر، مؤكداً أن تجنب الحرب هو الخيار الأكثر حكمة، وأن الانجرار وراء حسابات تصعيدية لن يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح القوى الكبرى. طهران، وفق تقديرات خبراء، تُبدي استعداداً للحوار بشأن برنامجها النووي، لكنها تتمسك بقدراتها الدفاعية، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية.
المخاوف التركية تتجاوز إيران وحدها. ففيدان لمح إلى أن تآكل الثقة في التزامات واشنطن الأمنية قد يدفع دولاً في أوروبا وآسيا إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح أوسع من حدود الشرق الأوسط. في هذا السياق، تبدو أنقرة حريصة على تثبيت موقعها كقوة إقليمية وعضو محوري في حلف شمال الأطلسي، قادرة على المناورة بين التحالفات والخصومات.
وبينما تتقاطع الحسابات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية، تحاول تركيا إرسال رسالة مزدوجة: لا حرب جديدة في المنطقة، لكن لا اختلال في ميزان القوى أيضاً. الرسالة تحمل في طياتها تحذيراً صريحاً بأن الشرق الأوسط يقف على حافة سباق تسلح نووي إذا لم تُضبط التوازنات، وأن أي شرارة قد تدفع قوى إقليمية كبرى إلى خيارات كانت حتى الأمس القريب مجرد فرضيات نظرية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك