أنتلجنسيا:سميرة زيدان
تحولت الرياض، مع انطلاق معرض الدفاع العالمي، إلى مسرح لرسائل سياسية وصناعية ثقيلة، بعدما خطفت المقاتلة التركية “كآن” الأضواء وأثارت اهتمامًا سعوديًا وُصف باللافت، في مؤشر واضح على تحول نوعي في خريطة التعاون العسكري الإقليمي، وعلى طموح مشترك لإعادة رسم ميزان صناعة الدفاع بعيدًا عن الوصاية التقليدية للقوى الكبرى.
ويحتضن معرض الدفاع العالمي 2026، الممتد من 8 إلى 12 فبراير، كبار صناع السلاح والوفود الرسمية من مختلف دول العالم، ليؤكد مكانته كمنصة استراتيجية لتقاطع المصالح العسكرية والصناعية، خاصة بالنسبة لدول مثل السعودية وتركيا، اللتين تسعيان إلى ترسيخ سيادتهما الدفاعية وتوطين التكنولوجيا المتقدمة.
الزخم الأكبر في أروقة المعرض جاء من الجناح التركي، حيث برزت الصناعات الدفاعية لأنقرة كقوة صاعدة بثقة، وعلى رأسها شركة الصناعات الجوية التركية، التي عرضت نموذجًا لمقاتلتها الوطنية “كآن”، في وقت أكد فيه مسؤولو الشركة أن المملكة العربية السعودية أبدت اهتمامًا عمليًا وجديًا بهذا المشروع، بعد سلسلة محادثات رفيعة المستوى واتصالات سياسية مباشرة.
هذا الاهتمام لم يأتِ من فراغ، إذ سبق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن لمح إلى اقتراب توقيع اتفاقيات دفاعية “مهمة” مع الرياض، مشيرًا إلى إمكانية الاستثمار المشترك في برنامج “كآن”، ومؤكدًا أن أنقرة منفتحة على شراكة استراتيجية كاملة في هذا المشروع الطموح متى توفرت الإرادة السياسية.
المعرض، الذي افتُتح بحضور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، لم يكن مجرد فضاء للعرض، بل منصة لعقد اجتماعات مغلقة، وبناء تحالفات جديدة، وعرض أحدث التقنيات في مجالات الجو والبر والبحر والفضاء والأمن، في سياق يعكس سعي السعودية إلى تجاوز منطق الاستيراد نحو موقع الشريك والمصنّع.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الرياض تتابع منذ فترة برنامج “كآن” باهتمام، حيث قامت وفود تقنية وعسكرية سعودية بزيارات متكررة لمرافق شركة الصناعات الجوية التركية في أنقرة، ضمن دراسة مقارنة شملت برامج مقاتلات في أوروبا وآسيا، في إطار بحثها عن شراكة تمنحها موقعًا متقدمًا داخل سلسلة الإنتاج والتطوير.
ويعزز هذا المسار التقارب السياسي المتسارع بين أنقرة والرياض، والذي تُرجم بالفعل إلى صفقات ملموسة، أبرزها اقتناء السعودية لعشرات الطائرات المسيّرة التي طورتها شركة “بايكار”، إلى جانب تنامي التعاون بين الصناعات الدفاعية في البلدين، وهو ما تجسده المشاركة الواسعة لعشرات الشركات التركية في دورة المعرض الحالية.
وفي مشهد رمزي لافت، عرضت شركة الصناعات الجوية التركية نموذجًا مصغرًا لمقاتلة “كآن” مزينًا بالعلم السعودي على ذيلها، ومحاطًا بطائرتين مسيرتين من طراز “أنكا 3”، في رسالة واضحة عن تصور جديد للحرب الجوية يقوم على التكامل بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة، وعن استعداد تركيا لفتح برنامجها السيادي أمام شركاء استراتيجيين.
ويرى مراقبون أن أي اتفاق محتمل مع السعودية قد يمنح برنامج “كآن” دفعة حاسمة في مرحلة مفصلية، خاصة مع استعداد الشركة لإطلاق أولى النماذج الأولية للطيران قبل الصيف، وهو ما قد يسرّع دخول المقاتلة إلى نادي الطائرات القتالية الحديثة.
وتبقى إندونيسيا، إلى حدود الساعة، أول دولة توقع اتفاقًا لاقتناء “كآن”، بعد تفاهمات مبدئية لشراء 48 مقاتلة، غير أن المؤشرات القادمة من الرياض توحي بأن الشرق الأوسط قد يكون الوجهة الاستراتيجية التالية لهذا المشروع، في لحظة يبدو فيها أن السماء لم تعد حكرًا على الكبار، وأن موازين القوة الجوية تُعاد كتابتها من جديد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك