السجون المغربية تحت الاختناق وحقوق على الورق ومرضى خلف القضبان بلا علاج ولا أفق

السجون المغربية تحت الاختناق وحقوق على الورق ومرضى خلف القضبان بلا علاج ولا أفق
شؤون أمنية وعسكرية / الجمعة 06 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:فتيحة الوديع

في بلد يكثر فيه الكلام عن الإصلاح وتتراكم فيه البلاغات الرسمية، تظل السجون المغربية فضاءً معتماً لا يصل إليه الضوء إلا نادراً، حيث يتحول الحق في العلاج والكرامة إلى شعارات معلقة، بينما الواقع اليومي للنزلاء يفضح فشلاً مؤسساتياً مزمناً. فخلف الأسوار العالية، لا يُقاس العقاب بسلب الحرية فقط، بل يتضاعف ليصبح حرماناً من أبسط الحقوق الإنسانية، وعلى رأسها الحق في التطبيب والرعاية الصحية وإعادة الإدماج بعد الإفراج.

تعاني المؤسسات السجنية من خصاص مهول في الأطر الطبية والتمريضية، وضع يجعل ممرضاً واحداً أحياناً في مواجهة مئات السجناء، دون تجهيزات كافية أو أدوية أساسية، فيتحول المرض البسيط إلى معاناة طويلة، وقد ينتهي بمضاعفات خطيرة أو موت بطيء داخل الزنازين. العلاج لا يُمنح وفق الحاجة الطبية، بل حسب الإمكانيات المحدودة، وحسب منطق التدبير بالأقل كلفة، وكأن السجين فقد حقه في الحياة بمجرد دخوله السجن.

ولا يتوقف النزيف عند حدود العلاج، بل يمتد إلى ما بعد الإفراج، حيث يخرج السجين إلى المجتمع محملاً بالوصم، مجرداً من أي مواكبة نفسية أو اجتماعية أو مهنية، في غياب شبه تام لبرامج الإدماج الحقيقي. السجن، بدل أن يكون فضاءً للإصلاح، يتحول إلى مصنع لإعادة إنتاج الهشاشة والانكسار، يدفع الكثيرين إلى العودة إلى الجريمة، في دورة عبثية لا تنتهي.

وسط هذا الواقع القاتم، يبرز الغياب المريب للمؤسسات المفترض أن تحمي الحقوق وتدق ناقوس الخطر. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي يُفترض أن يكون صوت من لا صوت لهم، يبدو في نظر كثيرين مؤسسة تصدر تقارير أكثر مما تُحدث تغييراً، كلمات أنيقة تُكتب بحبر بارد، لا تسعف مريضاً ولا تفتح باب أمل لسجين. زيارات، توصيات، بيانات… لكن السجون تظل على حالها، والاختلالات تتكرر، والكرامة تُداس يومياً.

إن الحديث عن دولة الحق والقانون يفقد معناه عندما تتحول السجون إلى فضاءات للعقاب المضاعف، وحين يصبح الصمت الرسمي أقوى من صراخ المرضى داخل الزنازين. إصلاح المؤسسة السجنية لم يعد ترفاً ولا ملفاً ثانوياً، بل اختباراً حقيقياً لصدق الشعارات وعمق الالتزام بحقوق الإنسان. فإما أن تُفتح هذه الملفات بشجاعة سياسية حقيقية، أو يستمر النزيف، ويظل الإصلاح مجرد عنوان جميل يخفي وراءه واقعاً أكثر قسوة مما يُتصور.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك