بين الزلازل والنووي..حقيقة قدرات إيران تُسقِط أساطير التهويل وتُربك حسابات الغرب

بين الزلازل والنووي..حقيقة قدرات إيران تُسقِط أساطير التهويل وتُربك حسابات الغرب
شؤون أمنية وعسكرية / الأربعاء 04 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:سميرة زيدان

في خضم الضجيج الإعلامي المتصاعد حول الملف النووي الإيراني، تتداخل الوقائع بالتهويل، وتختلط المعطيات العلمية بسيل من الشائعات والمقاطع المفبركة، ما يحوّل واحدًا من أخطر ملفات العالم إلى مادة استهلاكية مشوشة. هذا ما يفرض، بحسب الخبير العسكري والاستراتيجي أكرم سريوي، تفكيك الرواية السائدة ببرودة علمية، بعيدًا عن الإثارة السياسية والتضليل المقصود.

سريوي يؤكد أن جزءًا كبيرًا مما يُتداول مؤخرًا عن “انفجارات نووية” داخل إيران لا يستند إلى أي أساس واقعي، موضحًا أن معظم الفيديوهات المنتشرة قديمة أو مفبركة أو مجتزأة من سياقات مختلفة، رغم أن ذلك لا يلغي من حيث المبدأ امتلاك طهران قدرات تقنية متقدمة في المجال النووي. ويرى أن التقارير التي تحدثت عن هزات أرضية شمال شرق إيران، خاصة في منطقة صحراء كوير، والتي بلغت قوتها ما بين 3.4 و4 درجات على سلم ريختر، تم تحميلها أكثر مما تحتمل، خصوصًا في ظل غياب أي تأكيد رسمي يربطها بتفجير نووي تحت الأرض.

الخبير العسكري يوضح أن الربط بين الزلازل والتجارب النووية ليس اختراعًا إعلاميًا، إذ إن التفجيرات النووية تاريخيًا خلّفت بصمات زلزالية واضحة، كما حدث في الولايات المتحدة وكوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي سابقًا. غير أن التمييز بين الظواهر الطبيعية والنشاط النووي يتم وفق معايير علمية دقيقة، أبرزها طبيعة الهزات الارتدادية وعمقها، حيث تكون الزلازل الطبيعية مصحوبة بسلسلة ارتدادات وعلى أعماق كبيرة، بينما تكون التفجيرات النووية محدودة الارتدادات وتقع على أعماق ضحلة. وبناءً على هذه المؤشرات، شدد سريوي على أن جميع الزلازل المسجلة مؤخرًا في إيران، بما فيها زلزال بقوة 5.5 درجات خلال فبراير الماضي، كانت طبيعية بالكامل ولا علاقة لها بأي نشاط نووي.

وعند الانتقال إلى جوهر الملف، لا يخفي سريوي أن إيران قطعت أشواطًا كبيرة في بناء قدراتها النووية، مشيرًا إلى امتلاكها دورة نووية شبه مكتملة، تبدأ من مناجم اليورانيوم، وعلى رأسها منجم سغند، مرورًا بعمليات التخصيب، وصولًا إلى المفاعلات والمنشآت البحثية. كما تنتج طهران سنويًا عشرات الأطنان من خام اليورانيوم، وتعتمد على بنية صناعية متقدمة وقاعدة علمية ضخمة تضم أكثر من 15 ألف عالم وخبير في المجال النووي.

ويضيف أن إيران تمتلك أجهزة طرد مركزي متطورة من طراز IR-8 وIR-9، قادرة على رفع نسب التخصيب إلى مستويات عسكرية، فضلًا عن امتلاكها كميات من اليورانيوم المخصب بنسبة تتجاوز 60 في المائة، مع غموض يلف أماكن تخزين هذه المواد. كما أن امتلاك مفاعلات تعمل بالماء الثقيل، مثل مفاعل آراك، يمنحها نظريًا القدرة على إنتاج البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة النووية، إلى جانب منشآت عسكرية خضعت سابقًا لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبل انهيار الاتفاق النووي.

وبحسب سريوي، فإن المعرفة التقنية لتصميم القنبلة النووية لم تعد سرًا في العصر الحديث، وهي متاحة لخبراء الفيزياء والهندسة النووية، ما يجعل السؤال الحقيقي سياسيًا أكثر منه علميًا. فإيران، من وجهة نظره، قادرة تقنيًا على تصنيع سلاح نووي وإجراء تجربة خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما أقرت به واشنطن نفسها حين تحدثت عن إمكانية إنتاج عدة رؤوس نووية خلال أسابيع إذا اتُخذ القرار السياسي.

لكن، ورغم هذه القدرة، يؤكد الخبير العسكري عدم وجود أي دليل يثبت أن إيران صنعت بالفعل سلاحًا نوويًا أو أجرت تجربة نووية، مرجعًا ذلك إلى الفتوى الصادرة عن المرشد الأعلى التي تحرّم امتلاك هذا النوع من الأسلحة، والتي ما تزال تشكل عامل كبح حاسم داخل منظومة القرار الإيراني.

ويرى سريوي أن الحملات الإعلامية الغربية المكثفة حول النووي الإيراني تُستخدم غالبًا كورقة ضغط سياسي، وكمبرر لتبرير استهداف المنشآت الإيرانية أو فرض تنازلات تتجاوز الملف النووي لتشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي. ومع ذلك، يحذر من أن استمرار التهديدات الأمريكية والإسرائيلية قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في خياراتها الاستراتيجية.

إيران، بحسب الخبير، ما تزال تراهن على التفاوض وتُبدي استعدادًا للرقابة الدولية، لكنها ترفض في المقابل الخضوع لشروط تعتبرها إذعانًا بعد إنفاقها مليارات الدولارات على برنامجها النووي. وفي ظل امتلاكها أدوات ردع متعددة، يخلص سريوي إلى أن مستقبل الملف النووي الإيراني سيبقى رهينًا بالتوازن الدقيق بين الضغط الخارجي والقرار السياسي الداخلي، مرجحًا أن يظل هذا الملف أحد أكثر بؤر التوتر اشتعالًا في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك