عاجل:حين تطلب الدولة من مواطنيها مغادرة بيوتهم والعاصفة تفضح هشاشة الحماية قبل أن تضرب الأمواج

عاجل:حين تطلب الدولة من مواطنيها مغادرة بيوتهم والعاصفة تفضح هشاشة الحماية قبل أن تضرب الأمواج
شؤون أمنية وعسكرية / السبت 24 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

في سابقة خطيرة تعكس حجم الارتباك أكثر مما تعكس الجاهزية، وجدت السلطات نفسها تطلب من سكان المناطق الساحلية عدم المبيت في منازلهم، تحسبًا لعاصفة قوية وأمواج عاتية قد يتجاوز ارتفاعها ثمانية أمتار، اليوم وغدًا. قرارٌ استثنائي في شكله، لكنه كاشف في مضمونه عن فشل مزمن في تدبير المخاطر وحماية الأرواح.

أن تطلب الدولة من مواطنيها مغادرة بيوتهم ليس إنجازًا وقائيًا يُشكر، بل اعتراف ضمني بأن السياسات العمومية أخفقت في تأمين الحد الأدنى من السلامة للسكان القاطنين بمحاذاة البحر. فالعواصف ليست ظاهرة مفاجئة في بلد يمتد على واجهتين بحريتين، ولا الأمواج العاتية حدثًا نادرًا يستدعي الارتجال بدل التخطيط.

السؤال الجوهري ليس: هل تم التحذير؟ بل، لماذا ما زال المواطن يُترك وحيدًا في مواجهة الطبيعة، بينما الدولة حاضرة فقط بصيغة البلاغات؟

أين هي البنيات التحتية القادرة على امتصاص غضب البحر؟

أين هي خرائط المخاطر المحدثة؟

وأين هي سياسات منع البناء العشوائي في المناطق الساحلية المعرضة للخطر، بدل الترخيص لها ثم التنصل من العواقب؟

الأخطر من العاصفة نفسها، هو تحويل الخطر الطبيعي إلى خطر اجتماعي بسبب غياب رؤية استباقية. فحين يُطلب من الأسر مغادرة منازلها ليلًا، دون ضمان بدائل إيواء كريمة، ولا تعويضات، ولا خطط واضحة، فإن الدولة لا تحمي مواطنيها، بل تُلقي بهم في المجهول باسم “الحيطة والحذر”.

التحذير المتأخر لا يُنقذ الأرواح دائمًا، خصوصًا حين يأتي في سياق هشاشة اجتماعية، وفقر، وسكن غير لائق فُرض على الناس بسياسات الإقصاء لا باختيارهم. والمسؤولية هنا لا تقع على البحر ولا على الطقس، بل على حكومة لم تجعل من السلامة أولوية، ومن الوقاية سياسة، ومن الإنسان مركز القرار.

العاصفة ستمر، كما مرت غيرها،لكن السؤال الذي سيبقى معلقًا: كم نحتاج من أمواج بارتفاع ثمانية أمتار حتى تعترف الدولة بأن الخطر الحقيقي ليس في البحر، بل في طريقة تدبيرها لما قبله وما بعده؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك