أنتلجنسيا:أبو جاسر
في خطوة جديدة، تُعمّق مسار التطبيع الأمني بعيداً عن المزاج العام، اختتمت الرباط وتل أبيب اجتماعاً عسكرياً مشتركاً ثالثاً داخل إسرائيل، واضعتين اللمسات الأخيرة على خطة عمل لعام 2026، في وقت لا يزال فيه الشارع المغربي يعبّر بوضوح عن رفضه القاطع لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، سياسياً وأمنياً وثقافياً، ويجدد تضامنه مع الشعب الفلسطيني.
الاجتماع، الذي احتضنته تل أبيب بإشراف مؤسسات عسكرية إسرائيلية، جمع مسؤولين عسكريين كباراً من الطرفين، وركّز على توسيع التعاون في مجالات التخطيط الاستراتيجي، والتكنولوجيا العسكرية، والتدريب، والجاهزية العملياتية. كما شمل البرنامج زيارات ميدانية لوحدات عسكرية وشركات للصناعات الدفاعية ومؤسسات أمنية إسرائيلية، في مؤشر على انتقال العلاقة من التنسيق السياسي إلى شراكات عسكرية عملية ومهيكلة.
يأتي هذا التطور بعد خمس سنوات من توقيع اتفاقيات أبراهام التي فتحت الباب لتطبيع سريع ومتشعب، تُرجم على الأرض باتفاق تعاون دفاعي شامل سنة 2021، وبتعاقدات في مجالات الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الاستطلاع والدفاع الجوي، وفق ما تداولته تقارير إعلامية دولية متخصصة. كما أثير، في أكثر من مناسبة، ملف اهتمام مغربي محتمل بدبابات “ميركافا” الإسرائيلية، سواء عبر شراء مباشر أو برامج تحديث وتعاون تقني، دون أن يبلغ ذلك مرحلة التوقيع النهائي، في ظل كلفة عالية وحسابات سياسية وتشغيلية معقّدة.
هذا، ووصفت السلطات الإسرائيلية الاجتماع الأخير بمحطة “محورية لاستقرار المنطقة”، وقدّمت المغرب كأحد أهم شركائها في العالم العربي، لكن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع داخلي مختلف تماماً داخل المغرب. فالموقف الشعبي ظل ثابتاً ورافضاً للتطبيع في كل المجالات، حيث لم تتوقف الوقفات والبيانات الصادرة عن هيئات سياسية ونقابية وحقوقية ومدنية عن التأكيد على أن أي شراكة مع إسرائيل، خصوصاً في المجال العسكري، تُناقض وجدان الشارع وتُعمّق القطيعة بين القرار الرسمي والرأي العام.
وبينما تتحدث مراكز بحثية دولية عن قابلية هذا التعاون للتوسع نحو نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك والأنظمة غير المأهولة، يرى معارضو التطبيع أن هذا المسار يُدار بمن_toggle خارج النقاش العمومي، ويُمرَّر كأمر واقع، في تجاهل لرفض شعبي واسع يعتبر أن أمن المنطقة لا يُبنى على صفقات سلاح مع دولة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة في حق الفلسطينيين، وأن “الاستقرار” الذي يُسوَّق له لا يمكن فصله عن العدالة وحقوق الشعوب.
هكذا، يتواصل تمدد الشراكة العسكرية المغربية-الإسرائيلية على إيقاع اجتماعات وخطط عمل وصفقات محتملة، فيما يظل الشارع المغربي، بكل أطيافه، رافضاً للتطبيع ومتمسكاً بموقف مبدئي يرى في فلسطين قضية وطنية، ويطرح سؤالاً مُلحّاً: إلى أي حد يمكن للقرار الأمني أن يبتعد عن نبض المجتمع دون كلفة سياسية وأخلاقية؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك