أنتلجنسيا:سميرة زيدان
دقّ معهد ميتشل ناقوس الخطر في واشنطن، معلناً في تقريره الصادر في فبراير 2026 أن سلاح الجو الأمريكي يحتاج بشكل عاجل إلى 500 طائرة إضافية من الجيل المتقدم، تشمل قاذفات شبحية ومقاتلات من الجيل السادس، إذا أرادت الولايات المتحدة تفادي هزيمة عملياتية محتملة أمام الصين في غرب المحيط الهادئ. الرسالة لم تأتِ بصيغة توصية تقنية عابرة، بل كتحذير استراتيجي مباشر من فجوة قوة تتسع بسرعة.
المركز البحثي، المعروف رسمياً باسم Mitchell Institute for Aerospace Studies ومقره أرلينغتون بولاية Virginia، قدّر الحد الأدنى المطلوب بحلول عام 2030 في 200 قاذفة من طراز B-21 Raider و300 مقاتلة من طراز F-47، وهي أرقام تتجاوز بكثير الخطط السابقة لـالبنتاغون التي كانت تتحدث عن 100 قاذفة B-21 و185 مقاتلة ضمن برنامج الهيمنة الجوية للجيل التالي.
التقرير يضع المسألة في إطار صراع استنزاف طويل الأمد، لا مجرد ضربات محدودة. فالفارق، بحسب الدراسة، بين جيش قادر على تنفيذ غارات قصيرة وآخر قادر على خوض حملة ممتدة، يكمن في العمق العددي والقدرة على تعويض الخسائر. وهنا تكمن المعضلة: نحو 62% فقط من الطائرات الأمريكية تكون جاهزة للطيران في أي وقت، ما يعني أن أي مواجهة واسعة قد تستنزف الأسطول بسرعة تفوق قدرة التعويض.
في المقابل، ترسم الدراسة صورة مقلقة لتطور القدرات الصينية. فبكين لا تكتفي بتحديث أسطولها الجوي، بل تبني مظلة دفاعية كثيفة قائمة على استراتيجية منع الوصول/التحريم المناطقي (A2/AD)، تعتمد على صواريخ بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، ما يصعّب اختراق مجالها الحيوي. كما أن تمركز الصين داخل عمق جغرافي محمي يمنحها أفضلية دفاعية، ويجبر واشنطن على الاعتماد على طائرات بعيدة المدى وعالية التحمل لاختراق تلك الشبكات.
الأرقام المالية تضيف بعداً آخر للجدل. فالمعهد يقدّر الحاجة إلى نحو 40 مليار دولار إضافية سنوياً لتمويل هذا التوسع، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطاً مالية متزايدة. والأصعب أن الصناعة الدفاعية الأمريكية لا تتحرك بالسرعة المطلوبة؛ فإنتاج 500 طائرة إضافية وإدخالها الخدمة قبل 2030 يبدو تحدياً هائلاً في ظل بطء سلاسل التوريد وتعقيد التصنيع.
تحليلياً، لا يتعلق الأمر بسباق تسلح تقليدي فحسب، بل بإعادة تعريف مفهوم التفوق الجوي في بيئة قتالية متشابكة رقمياً وصاروخياً. التفوق لم يعد يعني السيطرة المطلقة على السماء، بل القدرة على العمل داخل فضاء معادٍ مشبع بالاستشعار والاعتراض. وهنا تبرز أهمية برامج مثل F-35 Lightning II وF-15EX Eagle II والطائرات القتالية التعاونية (CCA) كحلول مرحلية لتقليص الفجوة.
التوصيات قصيرة المدى شملت أيضاً تأجيل تقاعد الطائرات القديمة وتسريع وتيرة الإنتاج، في محاولة لشراء الوقت ريثما تنضج برامج الجيل السادس. غير أن السؤال الجوهري يظل معلقاً: هل تستطيع واشنطن إعادة تعبئة قاعدتها الصناعية والعسكرية بسرعة تكفي للحفاظ على ميزان الردع في المحيط الهادئ، أم أن التفوق الذي اعتُبر مسلّمة منذ نهاية الحرب الباردة يواجه اليوم اختباراً تاريخياً؟
في المحصلة، التقرير لا يكتفي بعرض أرقام، بل يرسم سيناريو مواجهة محتملة تكون فيها السماء ساحة الحسم الأولى. وبين طموح التحديث وضغط الزمن، تبدو الولايات المتحدة أمام خيار استراتيجي حاسم: الاستثمار الضخم الآن، أو المخاطرة بخسارة المبادرة في أكثر مناطق العالم اشتعالاً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك