العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا..الحلقة الأولى: الولايات المتحدة خارجة عن القانون

العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا..الحلقة الأولى: الولايات المتحدة خارجة عن القانون
شؤون أمنية وعسكرية / الأحد 04 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:العلمي الحروني منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد

منذ انتهاء الحرب الباردة دفعت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في أوروبا الغربية الى السعي لتوسيع حلف الناتو وبذلك ترسخت هيمنة أمريكا على دول أوروبا الشرقية والغربية على حد سواء. وخلال التسعينات من القرن الماضي وما يقارب العشرين سنة الأولى من القرن 21 استمر العالم تحت رحمة القطب الواحد. غير أنه، ومنذ حوالي سنة 2017 وخاصة مع صعود الصين واجهت الولايات المتحدة منافسا حقيقيا سلط عليها ضغطا كبيرا، ومع الحرب الأوكرانية حيث يواجه الاتحاد الروسي حوالي 50 دولة بمساعدة الصين الشعبية بقيادة شي جين بينغ وحلفاء آخرين فاعلين. 

إنها حرب حقيقية ساهمت فيها دول الاتحاد الأوروبي وعموم الغرب بمفهومه الثقافي على رأسه أمريكا. وقد فشل الغرب في مسعاه المتعلق بضم أوكرانيا لحلف الناتو وتقسيم روسيا والاطاحة ببوتين بالرغم من حزمة عقوبات قوية على روسيا وتجميد أصولها وتزويد أوكرانيا بالمال والسلاح. هزيمة الغرب هاته التي يؤكدها أغلب المحللين الاستراتيجيين الغربيين أنفسهم، هزيمة حقيقية بكل المقاييس العسكرية والاقتصادية ساهمت بعودة فارقة للرئيس دونالد ترامب الذي وجد نفسه في مهمة  تدبير "هزيمة الغرب" وحل أزمة الديون الأمريكية العميقة غير المسبوقة والتي ترتفع حسب خبراء الاقتصاد بمعدل تريليون دولار سنويا.

 وهو ما تعكسه أولى قراراته الأساسية، أولها فرض الرسوم الجمركية على حلفائه وخصومه على حد سواء وثانيها التخلي عن أوروبا وتحويل قوة أمريكا نحو آسيا وخاصة النصف الغربي لهذه القارة ذلك بناء على عقيدة مونرو ومبدئه القائم منذ القرن 19 والذي يبدو أن دونالد ترامب يفعل هذه العقيدة والتي مفادها أن دول نصف القارة الغربية لا يجوز لها بأن تنسج علاقات أولية مع دول كبيرة مثل الصين وروسيا أو مع دول مارقة مثلا إيران، كل ذلك بهدف التركيز على التنين الصيني كمنافس حقيقي مهدد لها. 

 كان هذا هو السياق العام الذي تتوج بقرار العدوان الامبريالي الأمريكي-الغربي- الصهيوني على فنزويلا بهدف نهب الذهب الأسود والاستلاء على الذهب الموضوع في البنك المركزي لبريطانيا خاصة في محاولة يائسة لعلاج أزمة ديون الغرب ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، وكان عدوانا خارج الشرعية الدولية لضرب المسار الديمقراطي بهذا البلد، قن ينزلق لحرب نووية عالمية حقيقية مدمرة للناس والكائنات الحية وكافة مكونات الطبيعة.

حين تتحول السياسة الخارجية إلى عنف بلا شرعية:

نعود إلى نقطة البداية، إلى السؤال الذي فجر هذا الجدل برمته: هل يوجد أي أساس أخلاقي أو قانوني يتيح لرئيس الولايات المتحدة أن يأمر بقتل مدنيين غير مسلحين من خلال جنود وزارة الدفاع، كما حدث في واقعة استهداف 81 شخصا على متن قوارب صيد سريعة، كانت معظمها تبعد أكثر بحوالي ألف ميل عن الأراضي الأمريكية، بذريعة الاشتباه في الاتجار بالمخدرات؟ الجواب، من منظور القانون الدولي والقانون الدستوري الأمريكي معا، هو بالنفي القاطع. فالإدارة تدعي امتلاك مبررات قانونية لهذه العمليات، لكنها ترفض عرضها للرأي العام، إدراكا منها أن أي تبرير من هذا النوع، لو كشف، سيتعرض لتفكيك قانوني وأخلاقي شامل.

وليس هذا الادعاء جديدا، إذ إن المكتب نفسه داخل وزارة العدل سبق أن زعم تقديم مذكرات قانونية للرئيس جورج بوش لتبرير التعذيب، وللرئيس باراك أوباما لتبرير استخدام الطائرات بدون طيار في قتل مواطنين أمريكيين لم يشاركوا في أعمال عنف ولم توجه إليهم أي تهم قضائية. وهو ما يكشف أن الأمر ليس مجرد انحرافات ظرفية، وإنما نمطا مؤسسيا يتم فيه تطويع القانون لاحقا لتبرير قرارات عسكرية اتخذت سلفا.

في هذا السياق، يتجاوز النقاش حادثة بعينها ليطرح سؤالا أعمق حول مشروعية الأوامر العسكرية وحدود الطاعة داخل الجيوش. فالجيوش، بحكم طبيعتها، مؤسسات مُدرَّبة على القتل، وهو ما يجعل إخضاعها لمنظومة صارمة من الضوابط الأخلاقية والقانونية أمرا وجوديا ملزما. ومن هنا، يعد رفض تنفيذ الأوامر غير القانونية واجبا قانونيا وأخلاقيا.

هذا المبدأ جرى تكريسه تاريخيا في محاكمات نورمبرغ، التي أسقطت نهائيا ذريعة «كنت أنفذ الأوامر»، واعتبرت أن الطاعة العمياء لا تعفي من المسؤولية الجنائية. وهو المبدأ نفسه الذي استند إليه الجدل الذي أثاره فيديو شارك فيه عدد من أعضاء الكونغرس ومسؤولين عسكريين سابقين، دعوا فيه الجنود صراحة إلى رفض تنفيذ الأوامر غير القانونية. هذا الخطاب، الذي حاولت إدارة ترامب تصويره كتحريض على التمرد أو الخيانة، لا يعدو أن يكون تفصيلا دقيقا لمقتضيات القانون ودفاعا عن جوهر الدستور الأمريكي نفسه.

فالمسألة هنا تتعلق بتأكيد قاعدة أساسية: لا طاعة لأمر ينتهك القانون والدستور. لأن احترام الشرعية هو وحده ما يحمي الجيوش من التحول إلى أدوات قتل عشوائي، ويحمي الدول من الانزلاق إلى ممارسة عنف خارج مساءلة. ومن هذه الزاوية، تكشف قضية فنزويلا أزمة في السياسة الخارجية الأمريكية، وأيضا أزمة أعمق في علاقتها بالقانون الذي طالما ادعت رعايته. 

هكذا فإن العدوان على فنزويلا تعبير عن مأزق تاريخي يعيشه الغرب الإمبريالي، وعن خطر حقيقي يتهدد السلم العالمي حيث يصبح خرق القانون الدولي قاعدة بديلة عن السياسة. ومن هنا، تطرح هذه الوقائع ضرورة إعادة الاعتبار للشرعية الدولية، ولمسؤولية الشعوب والقوى التقدمية في مواجهة منطق العدوان، دفاعا عن حق الدول والشعوب في السيادة وعن مستقبل الإنسانية برمتها. ( يتبع ).


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك