أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
تحول قطاع الصحة في المغرب إلى واحد
من أكثر الملفات الاجتماعية تفجيرًا للغضب والاحتقان، بعدما تصاعدت شكاوى
المواطنين من تدهور الخدمات الصحية واستمرار أزمة الاكتظاظ ونقص الأطباء والممرضين
والتجهيزات الأساسية داخل عدد كبير من المستشفيات والمراكز الصحية، في وقت تجد فيه
الحكومة نفسها تحت ضغط متزايد بسبب اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية
العمومية.
وخلال الأشهر الأخيرة، عادت صور
الطوابير الطويلة أمام المستشفيات العمومية لتثير موجة استياء واسعة داخل الشارع
المغربي، خاصة مع استمرار معاناة المرضى في الحصول على مواعيد الفحص والعلاج
والعمليات الجراحية، إضافة إلى النقص الحاد في الموارد البشرية الصحية بعدد من
المدن والقرى والمناطق النائية.
ورغم الحديث الرسمي المتكرر عن إصلاح
المنظومة الصحية وتعميم الحماية الاجتماعية، إلا أن الواقع اليومي داخل العديد من
المؤسسات الصحية ما يزال يكشف حجم الاختلالات التي يعانيها القطاع، سواء من حيث
ضعف البنيات التحتية أو الخصاص المهول في الأطر الطبية والتمريضية أو الضغط الكبير
الذي يعيشه العاملون في الميدان.
كما أثار استمرار هجرة الأطباء
والممرضين نحو الخارج جدلًا واسعًا، بعدما أصبحت العديد من المستشفيات العمومية
عاجزة عن سد الخصاص المتزايد في التخصصات الطبية الحيوية، وهو ما انعكس بشكل مباشر
على جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، خصوصًا في المناطق البعيدة والهامشية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن ورش
إصلاح القطاع الصحي يعد من أكبر المشاريع الاستراتيجية المفتوحة بالمغرب، مشيرة
إلى أن المرحلة الحالية تعرف بناء مستشفيات جديدة وتحديث التجهيزات وإعادة هيكلة
العرض الصحي الوطني، إلى جانب تنزيل المجموعات الصحية الترابية وإصلاح الحكامة
داخل القطاع.
غير أن النقابات الصحية وعددًا من
الفاعلين المهنيين يرون أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون تحسين أوضاع
الموارد البشرية وضمان التحفيز والاستقرار المهني، خاصة بعد تصاعد حالة الاحتقان
بسبب تأخر صرف التعويضات وتراكم الملفات الاجتماعية العالقة داخل القطاع.
كما تتزايد الانتقادات المرتبطة
بالفوارق الكبيرة بين القطاعين العام والخاص، حيث أصبح عدد متزايد من المغاربة
يعتبر أن العلاج الجيد بات مرتبطًا بالقدرة المالية، في ظل تراجع الثقة في
المستشفيات العمومية وارتفاع تكاليف العلاج داخل المصحات الخاصة.
ويواجه سكان العالم القروي والمناطق
البعيدة أوضاعًا أكثر صعوبة، بسبب استمرار معاناة عدد من المراكز الصحية من غياب
الأطباء والتجهيزات الأساسية وسيارات الإسعاف، وهو ما يدفع المرضى إلى قطع مسافات
طويلة من أجل تلقي العلاج أو إجراء الفحوصات الضرورية.
كما عاد النقاش بقوة حول ظروف استقبال
المرضى داخل بعض المستشفيات، بعد تداول شكاوى متكررة تتعلق بالاكتظاظ وسوء التنظيم
وطول فترات الانتظار، وهي المشاكل التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على صورة القطاع
الصحي العمومي بالمغرب.
ويرى متابعون أن نجاح ورش الحماية
الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على إنقاذ المستشفى
العمومي وإعادة الثقة للمواطن، لأن تعميم التأمين الصحي دون توفير بنية صحية قوية
وموارد بشرية كافية قد يحول المشروع إلى عبء إضافي بدل أن يكون مدخلًا حقيقيًا
لتحقيق العدالة الصحية.
وبين الوعود الحكومية وغضب الشارع
واستمرار نزيف الموارد البشرية، يبدو أن قطاع الصحة في المغرب يقف أمام اختبار
مصيري، إما أن تنجح الإصلاحات الحالية في وقف الانهيار واستعادة ثقة المواطنين، أو
تستمر الأزمة في التفاقم لتتحول إلى واحد من أخطر التحديات الاجتماعية التي تواجه
البلاد خلال السنوات المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك