أنتلجنسيا:آسفي
في مشهد يختزل تناقضات تدبير الشأن المحلي، تفجر ملف مصنع “GYPTEC” بإقليم آسفي ليكشف عن قرار إداري يثير أكثر من علامة استفهام، بل ويضع عامل الإقليم في قلب انتقادات واسعة بسبب ما يوصف بقرار متسرع يفتقر إلى الحكمة والبعد التنموي.
كيف يعقل أن يتم التعامل مع مؤسسة صناعية كبرى، تشغل مئات العمال وتضخ استثمارات بمئات الملايين، بنفس المنطق الذي يطبق على مخالفات البناء العشوائي وباقي المواطنين؟ كيف يعقل أن تهدد استمرارية نشاط اقتصادي حيوي بسبب بناية داخلية بسيطة لا تتعدى مساحتها بعض الاف الأمتار، هدفها توسيع القدرة الإنتاجية وتحسين ظروف العمل؟
إن قرار عامل إقليم آسفي لا يمكن قراءته إلا كاختزال مقلق لدور السلطة في منطق الزجر بدل التأطير، وفي فرض المقاربة الصارمة دون اعتبار لخصوصية الحالات. فالقانون، وإن كان فوق الجميع، لا يمكن أن يطبق بشكل كلي وجامد في جميع الحالات دون تمييز، وإلا تحول من أداة لتنظيم المجتمع إلى عائق أمام التنمية.
الأكثر خطورة أن هذا القرار يأتي في ظرفية يعرف فيها مناخ الاستثمار تحديات حقيقية، ويحتاج إلى رسائل طمأنة لا إلى قرارات تصعيدية. فالمصنع لم يتهرب من القانون، بل سلك المساطر المؤسساتية، متوجها إلى القضاء الإداري للطعن في القرار، وساعيا إلى إيجاد مخرج عبر المركز الجهوي للاستثمار، في احترام تام للدولة ومؤسساتها.
أما الحديث عن “شبهات تدخل سياسي”، فلا يعدو أن يكون محاولة مكشوفة لتشويه صورة مستثمر معروف بنزاهته، ولتبرير قرار إداري يفتقر إلى التقدير السليم للواقع الاقتصادي والاجتماعي. والحال أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في المصنع، بل في غياب مقاربة مرنة وعقلانية من طرف السلطة الإقليمية.
إن ما يثير الاستياء أكثر هو صمت الجهات الوصية أمام هذا الوضع، في وقت بات فيه التدخل ضروريا وعاجلا. ومن هنا، فإننا نطالب بشكل صريح وزير الداخلية بالتدخل الفوري لوقف هذا القرار، وإعادة الأمور إلى نصابها، وتصحيح هذا الانحراف في تقدير المصلحة العامة.
كما ندعو إلى فتح حوار جدي ومسؤول بين جميع الأطراف، لإيجاد صيغة قانونية متوازنة تحفظ هيبة القانون دون التضحية بالاستثمار، لأن الجمود في تطبيق النصوص دون مراعاة الواقع لا يخدم إلا تعطيل التنمية وضرب الثقة في المؤسسات.
إن إقليم آسفي لا يحتمل مزيدا من القرارات المرتجلة، ولا يمكن أن يكون فضاء لطرد الاستثمار بدل احتضانه. وعلى عامل الإقليم أن يراجع حساباته، وأن يدرك أن دوره لا يقتصر على تطبيق القانون بشكل حرفي، بل يتعداه إلى حماية النسيج الاقتصادي وضمان استمراريته.
في النهاية، تبقى القضية أكبر من مجرد بناية أو مخالفة؛ إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة الإدارة على التوفيق بين سلطة القانون وحاجيات التنمية. فإما أن ننتصر لمنطق الحكمة والتوازن، أو نواصل إنتاج قرارات تنفر المستثمرين وتضعف الاقتصاد المحلي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك