مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة3)

مآلات الفرد الإسلامي بعد تراجع المشروع الحركي..دراسة مقارنة:المغرب ومصر(الحلقة3)
تقارير / الأحد 16 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

النمط الرابع: الالتزام الفردي 

يمثل نمط الفردية الدينية أحد أكثر أنماط الخروج هدوءا وأقلها ظهورا في المجال العام. فالفرد هنا لا ينقلب على التنظيم، ولا يدخل في مواجهة فكرية أو سياسية معه، كما أنه لا يسعى بالضرورة إلى تأسيس بديل جماعي أو إلى إنتاج خطاب نقدي علني. وإنما يتجه، بعد تجربة الانتماء الحركي، إلى إعادة بناء علاقته بالدين على أساس شخصي وفردي، بعيدا عن الالتزام التنظيمي والمشروع السياسي. ويصبح الدين في هذه الحالة مجالا لإعادة ترتيب الذات والقيم والسلوك، أكثر منه أداة لتغيير المجتمع أو الوصول إلى السلطة.

ولا يعني هذا التحول بالضرورة التخلي عن التدين أو حدوث قطيعة مع المرجعية الإسلامية فقد يحتفظ الفرد بدرجة مرتفعة من الالتزام الديني، لكنه يعيد تعريف معنى التدين ووظيفته. فبعد أن كان الدين مرتبطا في تجربته السابقة بالعمل الجماعي، والدعوة، والتنظيم، والصراع السياسي، يصبح أكثر ارتباطا بالعبادة الشخصية، والأخلاق، والأسرة، والعمل، والاستقامة الفردية، والبحث عن السكينة والمعنى. ومن ثم، فإن التحول هنا لا يتمثل في الانتقال من التدين إلى اللاتدين، وإنما في الانتقال من التدين الحركي إلى التدين الشخصي.

ويرتبط هذا النمط بما طرحه أوليفييه روا (Olivier Roy) بشأن ما يمكن تسميته فردنة التدين إذ يرى روا أن أحد التحولات المهمة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة يتمثل في انفصال التدين تدريجيا عن الأطر الجماعية التقليدية والحركية، بحيث يصبح الفرد أكثر استقلالا في اختيار ممارساته الدينية ومصادره ورؤيته للعلاقة بين الدين والحياة اليومية. وفي هذا السياق، يمكن فهم تجربة بعض الخارجين من التنظيمات الإسلامية باعتبارها انتقالا من هوية جماعية كثيفة إلى هوية دينية أكثر فردانية، لا تتطلب بالضرورة الانتماء إلى جماعة أو الالتزام بمشروع سياسي. Olivier Roy

ويختلف هذا المسار عن الانشقاق العدائي في أن تجربة الخروج لا تتحول إلى خصومة مع التنظيم. فقد يحتفظ الفرد ببعض الاحترام لتجربته السابقة، أو يعتبرها مرحلة من مراحل حياته، دون أن يرى ضرورة لتفنيدها أو مهاجمتها. كما قد يتجنب الخوض في القضايا السياسية والفكرية التي كانت تشكل جزءا من نشاطه السابق، ليس بالضرورة نتيجة اقتناع نظري بأن المشروع كان خاطئا بالكامل، وإنما بسبب إرهاق سياسي أو نفسي، أو فقدان الثقة في جدوى العمل التنظيمي، أو الرغبة في حماية الحياة الخاصة من الصراعات والاستقطابات.

كما ينبغي التمييز بين الفردية الدينية وبين ما بعد الإسلاموية عند آصف بيات. فبايات يركز على تحولات أوسع داخل المجال الإسلامي، حيث تعيد قطاعات من الإسلاميين صياغة العلاقة بين الدين والسياسة، وتقبل تدريجيا بمفاهيم مثل الديمقراطية والمواطنة والحقوق الفردية والتعددية، بما يؤدي إلى انتقال من الإسلاموية ذات المشروع الشمولي إلى أشكال أكثر مرونة من الفعل السياسي والاجتماعي. أما الفردية الدينية فتشير إلى مسار مختلف إذ قد لا ينتقل الفرد إلى مشروع سياسي بديل أصلا، بل ينسحب من المجال السياسي والتنظيمي إلى المجال الشخصي. ولذلك يمكن القول إن ما بعد الإسلاموية قد تمثل إعادة صياغة للمشروع، بينما تمثل الفردية الدينية في صورتها الخالصة إعادة صياغة للعلاقة بين الفرد والدين بعيدا عن المشروع الجماعي. Asef Bayat

وتتجلى هذه الفردية في عدد من الممارسات والمؤشرات: انخفاض الاهتمام بالشأن التنظيمي، الابتعاد عن الاجتماعات والأنشطة الجماعية، التوقف عن التجنيد والاستقطاب، عدم الرغبة في تولي أدوار قيادية، تراجع الاهتمام بالصراع السياسي، والانتقال إلى مصادر دينية متنوعة وغير مرتبطة بالضرورة بالتنظيم السابق. وقد يستمر الفرد في ممارسة الشعائر والبحث الديني، وربما يزداد اهتمامه بالقراءة والتعلم، لكن ضمن علاقة انتقائية وشخصية بالدين، بدلا من الالتزام بالتفسير التنظيمي الموحد.

ومن الناحية السوسيولوجية، يمكن النظر إلى هذا النمط بوصفه استردادا للفردانية بعد تجربة التنظيم. فالحياة الحركية تفرض على الفرد شبكة كثيفة من العلاقات والالتزامات والتوقعات: الجماعة، القيادة، الرفاق، النشاط الدعوي، الموقف السياسي، والهوية المشتركة. وعندما تنتهي هذه العلاقة، قد يكتشف الفرد مساحة جديدة لم تكن متاحة له بالقدر نفسه داخل التنظيم، فيعيد توزيع اهتماماته بين الأسرة والعمل والحياة الخاصة والدين. وهنا تصبح الاستقلالية الشخصية قيمة مركزية، ويغدو السؤال أقل ارتباطا بـ(ماذا تريد الجماعة؟) وأكثر ارتباطا بـ(كيف أريد أن أعيش ديني؟).

ويكتسب هذا النمط أهمية خاصة في دراسة ما بعد الخروج من التنظيم، لأنه يكشف أن فك الارتباط لا يؤدي بالضرورة إلى إنتاج (منشق) أو (ناقد) أو (فاعل سياسي جديد). فقد تكون النتيجة ببساطة انحسار المجال التنظيمي من حياة الفرد. وهذا الانحسار قد يكون تدريجيا وغير معلن، ولذلك يصعب رصده من خلال البيانات والخطابات العامة. فالفرد الذي يتوقف عن النشاط ولا يكتب ولا يهاجم التنظيم لا يظهر بسهولة في الدراسات التي تركز على الانشقاقات العلنية، رغم أن هذا النوع من الخروج قد يكون واسع الانتشار.

ومن المهم أيضا ألا تفهم الفردية الدينية باعتبارها دائما نتيجة اقتناع فكري مكتمل. فقد تكون أحيانا استراتيجية للتكيف مع خيبة التجربة السابقة. فالفرد الذي فقد الثقة في التنظيم أو في قدرة العمل السياسي على تحقيق أهدافه قد يجد في التدين الشخصي صيغة أقل تكلفة وأكثر استقرارا للحفاظ على هويته الدينية، من دون العودة إلى الالتزام الحركي. وبذلك تصبح الفردية الدينية نوعا من التسوية بين الحفاظ على الإيمان والتخلي عن التنظيم.

النمط الخامس: الانتقال إلى العمل المدني أو السياسي العام 

يمثل النمط الخامس، أي الانتقال إلى العمل المدني أو السياسي العام، واحدا من أكثر مسارات (ما بعد الانتماء) تعقيدا وثراء من الناحية التحليلية، لأن الفرد فيه لا يكتفي بمغادرة التنظيم أو الالتزام بالصمت النقدي أو التحول إلى الكتابة والتنظير، وإنما يعيد توجيه الطاقة التنظيمية والدعوية والتعبوية التي اكتسبها داخل (الجماعة) نحو حقل مختلف في منطقه التأسيسي، هو حقل العمل المدني والحقوقي والحزبي التعددي. ولا يكمن الفارق الجوهري هنا في الانتقال من نشاط جماعي إلى نشاط فردي، إذ يظل الفاعل منخرطا في التنظيم والتعبئة والعمل العام، وإنما في التحول الذي يطرأ على البنية المعيارية التي تحكم هذا النشاط. فبينما يقوم منطق العمل داخل الجماعات الإسلامية الكلاسيكية على مركزية العضوية، وتراتبية الولاء، ووحدة المرجعية، وربط الانتماء التنظيمي بدرجة من الانتماء العقدي أو الفكري، يقوم العمل المدني والحزبي التعددي على المواطنة كأساس للعضوية، والتنافس السلمي حول البرامج والمصالح، وقبول التعدد الأيديولوجي باعتباره مبدأ تأسيسيا، وليس مجرد واقع مؤقت ينبغي تجاوزه.

ويقترب هذا المسار بصورة واضحة من أطروحة آصف بايات حول (ما بعد الإسلاموية) ، التي لا تعني بالضرورة القطيعة مع الدين أو إقصاء المرجعية الإسلامية من المجال العام، وإنما تشير إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، بحيث يجري الجمع بين التدين والقيم الديمقراطية والحقوق والمواطنة والتعددية. ومن هذا المنظور، فإن الفرد الذي ينتقل إلى العمل المدني أو السياسي العام لا يتخلى بالضرورة عن هويته الدينية أو عن قناعته بأهمية القيم المستمدة من المرجعية الإسلامية، وإنما يعيد تحديد موقع الدين في المجال العام من كونه إطارا تنظيميا ملزما وشرطا للعضوية والانخراط السياسي، إلى كونه مصدرا أخلاقيا وثقافيا يمكن أن يستند إليه الفرد من دون أن يتحول إلى معيار لإقصاء الآخرين أو احتكار المجال السياسي. وبذلك يصبح الانتقال من (منطق الجماعة) إلى (منطق الشأن العام) تحولا في تصور الفاعل للسياسة نفسها، إذ ينتقل من العمل داخل جماعة ترى نفسها حاملة لمشروع ديني وسياسي متكامل إلى الانخراط في فضاء عام تتعايش فيه مرجعيات واتجاهات متعددة، ويصبح فيه الاختلاف جزءا من قواعد اللعبة السياسية والمدنية.

ويقدم عبد المنعم أبو الفتوح مثالا دالا على هذا المسار في السياق المصري. فقد كان أبو الفتوح قياديا بارزا في جماعة الإخوان المسلمين وعضوا سابقا في مكتب الإرشاد، قبل أن تؤدي الخلافات مع قيادة الجماعة، ولا سيما حول طبيعة المشاركة السياسية وترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 2012 خارج الإطار التنظيمي للجماعة، إلى خروجه منها. غير أن هذا الخروج لم يتحول إلى انسحاب من المجال العام، بل إلى إعادة تموضع داخله، حيث أسس حزب (مصر القوية) وقدم خطابا سياسيا حاول من خلاله تجاوز الاستقطاب التقليدي بين الإسلاميين والعلمانيين، والتوجه نحو صيغة سياسية أكثر تعددية تستند إلى المواطنة والدولة المدنية والمشاركة الديمقراطية. ومن ثم فإن أهمية حالة أبي الفتوح لا تكمن في كونها مجرد حالة انشقاق تنظيمي، وإنما في كونها تعبر عن انتقال من فاعل سياسي يعمل من داخل جماعة ذات هوية دينية وتنظيمية محددة إلى فاعل يسعى إلى بناء تحالفات سياسية تتجاوز حدود الانتماء التنظيمي والأيديولوجي السابق.

ويظهر هذا المسار كذلك، بصورة مختلفة، في تجربة أبي العلا ماضي وعصام سلطان اللذين غادرا مبكرا البيئة الإخوانية وأسسا حزب (الوسط، الذي حاول تقديم نموذج لحزب ذي مرجعية إسلامية ولكن بصيغة مدنية تعددية أكثر انفتاحا على مفاهيم المواطنة والمشاركة السياسية والتعددية. كما يمكن الاستئناس بتجربة حركة النهضة التونسية، خصوصا منذ إعلانها سنة 2016 الفصل بين المجال الدعوي والمجال السياسي، وإن كان هذا المثال يختلف عن حالة الخروج الفردي الكامل من التنظيم، لأن التحول جرى داخل الحركة نفسها وعلى مستوى تصورها لوظائفها وأدوارها. وتكشف المقارنة أيضا عن مسارات مشابهة في بعض تجارب الإسلاميين الأتراك، حيث أعيدت صياغة العلاقة بين المرجعية الإسلامية والممارسة السياسية من خلال الانتقال من خطاب الهوية الدينية المباشرة إلى خطاب سياسي أكثر ارتباطا بالديمقراطية والمواطنة والمنافسة الحزبية.

وتكتسب هذه الحالات أهميتها في إطار نظرية (ما بعد الانتماء) لأنها تكشف أن مغادرة الجماعة لا تعني بالضرورة الانسحاب من الفعل السياسي والاجتماعي، بل قد تكون في بعض الحالات شرطا لإعادة تشكيل هذا الفعل على أسس جديدة. فالفرد يحتفظ بجزء من الرأسمال التنظيمي والخطابي والتعبوي الذي راكمه خلال سنوات انتمائه السابق، لكنه يعيد توظيفه في فضاء مختلف، بحيث يتحول الرأسمال التنظيمي الذي كان يخدم وحدة الجماعة إلى قدرة على بناء الشبكات والتحالفات، ويتحول الخطاب الدعوي إلى خطاب مدني أو سياسي، وتتحول خبرة التعبئة الداخلية إلى خبرة في العمل العام المفتوح. ومن هنا فإن هذا النمط لا يمثل مجرد انتقال من تنظيم إلى تنظيم آخر، وإنما يمثل تحولا في طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة والمجتمع والدولة. فالفاعل لا يتخلى بالضرورة عن قناعاته الدينية، لكنه يتخلى عن احتكار الجماعة لتحديد المجال الذي يمكن أن تتحول فيه هذه القناعات إلى فعل سياسي. وبهذا المعنى، يقع هذا المسار في منطقة تقاطع بين أدبيات الخروج من الحركات الإسلامية والانفصال عن التنظيمات، وأدبيات التحول الديمقراطي والمواطنة والتعددية، لأن موضوعه ليس فقط لماذا يغادر الفرد الجماعة، وإنما ماذا يفعل بعد مغادرتها، وكيف يعيد بناء هويته السياسية والاجتماعية، وكيف يحول خبرته السابقة من رأس مال تنظيمي مغلق إلى رأس مال مدني قابل للتوظيف داخل فضاء عام تعددي.

النمط السادس: التصلب المضاد (راديكالية أشد) 

يعرف هذا النمط في أدبيات الحركات الاجتماعية بمفهوم المزايدة الأيديولوجية أو (التصلب المضاد)، وهو يمثل الوجه المقابل لفرضية الاعتدال عبر الإدماج ، التي تفترض أن انخراط الحركات الإسلامية في المؤسسات السياسية ودخولها تدريجياً في اللعبة الانتخابية والحزبية يؤديان إلى تليين خطابها وإعادة صياغة مواقفها بما يتلاءم مع قواعد العمل السياسي. غير أن مسار بعض الأفراد والتيارات داخل هذه الحركات يكشف أن الإدماج السياسي قد ينتج، في ظروف معينة، نتيجة عكسية؛ فحين تنخرط القيادة التنظيمية في مساومات سياسية، كالمشاركة الحكومية، وقبول قواعد اللعبة الدستورية، والتخلي التدريجي عن شعارات مثل (الحاكمية) أو (الدولة الإسلامية)، قد تنشأ لدى جزء من القاعدة الشبابية أو الكوادر الوسطى حالة يمكن وصفها بـ(أزمة الشرعية الأيديولوجية). فهذه الفئة لا تنظر بالضرورة إلى التحول السياسي باعتباره تطورا طبيعيا أو نضجا في الممارسة، وإنما قد تفسره بوصفه تراجعا عن المبادئ المؤسسة وخيانة للمشروع الذي انخرطت فيه في الأصل.

وتزداد قابلية هذا المسار للظهور لدى الفئات الأكثر التزاما أيديولوجيا والأقل استفادة من عوائد المشاركة السياسية، سواء تعلق الأمر بالمناصب أو بشبكات العلاقات أو بالاعتراف المؤسسي. وفي حين تستطيع القيادات التي انتقلت إلى المجال السياسي إعادة تعريف مواقفها باعتبارها تكيفاً مع الواقع، قد تجد بعض القواعد نفسها أمام مفارقة حادة بين خطاب سابق كان يقدم المشروع الإسلامي باعتباره مشروعا تغييريا شاملا، وبين ممارسة سياسية أصبحت تقوم على التفاوض والتدرج والقبول بقواعد النظام القائم. ومن هنا يمكن أن تنشأ عملية مزايدة على التنظيم الأم، بحيث يبحث الفرد عن جماعة أو تيار يعتقد أنه أكثر وفاء للمبادئ الأولى وأكثر قدرة على الحفاظ على نقاء المشروع. وقد يأخذ هذا البحث أشكالا مختلفة، تبدأ بالابتعاد عن التنظيم، أو تبني خطاب أكثر تشددا، وقد تصل في بعض الحالات إلى الالتحاق بالسلفية الجهادية أو التنظيمات العابرة للحدود مثل القاعدة وداعش، أو الانضمام إلى جماعات تكفيرية صغيرة.

ولا يعمل هذا العامل الأيديولوجي بصورة مستقلة عن السياق السياسي، بل يتقاطع بصورة خاصة مع التجارب القمعية والصدمات الأمنية الحادة. فالقمع يمكن أن يؤدي إلى تفكيك الثقة في جدوى العمل السلمي والمؤسسي، ويمنح الخطاب الأكثر تشددا قدرة أكبر على تفسير الواقع. وفي هذه الحالة قد يعاد تأويل تجربة الحركة الإسلامية المعتدلة باعتبارها دليلا على استحالة التغيير من داخل المؤسسات، بينما يقدم الخطاب الجهادي نفسه باعتباره التفسير الأكثر اتساقا مع تجربة القمع الدولة، وفق هذا التصور، لن تسمح بمشروع إسلامي حقيقي، ومن ثم فإن الرهان على المشاركة السياسية أو العمل السلمي ليس سوى وهم أو تنازل تدريجي عن المبادئ. وهكذا يمكن أن تتحول المشاركة السياسية التي يفترض أن تكون آلية للاندماج والاعتدال إلى عامل يدفع بعض الأعضاء إلى البحث عن بديل أكثر تشددا، خصوصا عندما تقترن المشاركة السياسية بتراجع واضح في الخطاب الأيديولوجي الأصلي أو بتسويات يعتبرها بعض الأعضاء تنازلات غير مبررة.

ويقدم السياق المغربي حالة مهمة لفهم هذا المسار، وإن كانت السير الفردية التي توثق بدقة الانتقال من تنظيم إسلامي إلى آخر، أو من الاعتدال إلى التشدد، لا تزال أقل حضورا في الأدبيات مقارنة بالحالتين المصرية والجزائرية. فمنذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، أفضت التحولات التي عرفتها حركة الشبيبة الإسلامية بزعامة عبد الكريم مطيع إلى تفرعات ومسارات مختلفة. فقد اتجه جزء من الحركة الإسلامية المغربية لاحقا نحو إعادة بناء العمل الإسلامي على أسس أكثر مؤسسية، وهو المسار الذي سيتبلور في حركتي الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي ثم في حركة التوحيد والإصلاح، قبل أن يرتبط جزء مهم من قياداتها بالعمل الحزبي من خلال حزب العدالة والتنمية. وفي المقابل، ظهرت مسارات أخرى أكثر تشددا، ارتبط بعضها برفض خيارات القيادة التنظيمية وبالنظر إليها باعتبارها قد ابتعدت عن المشروع الأول أو أصبحت أكثر قابلية للتكيف مع النظام السياسي.

وتكشف تجربة جماعة العدل والإحسان، وإن كانت مختلفة من حيث النشأة والمسار، عن وجه آخر من هذه الدينامية إذ يمكن قراءة خروج عبد السلام ياسين من المجال الصوفي البوتشيشي وتأسيسه لاحقا لجماعة العدل والإحسان بوصفه، جزئيا، رفضا لما اعتبره تدينا صوفيا غير قادر على إنتاج مشروع تغييري في مواجهة السلطة. ومن ثم فإن تاريخ الحركة الإسلامية المغربية لا يقدم فقط انتقالا خطيا من التشدد إلى الاعتدال، بل يكشف عن عمليات متكررة من إعادة تعريف الشرعية الدينية والسياسية، بحيث يمكن أن تنشأ حركة جديدة أو تيار جديد نتيجة اعتقاد أعضائه بأن التنظيم السابق قد ابتعد عن المبادئ التي تأسس عليها.

وتتضح هذه الدينامية بصورة أكبر في تجربة حركة التوحيد والإصلاح، التي تشكلت سنة 1996 من اندماج حركة الإصلاح والتجديد ورابطة المستقبل الإسلامي، ثم ارتبط جزء من قياداتها التاريخية بالعمل الحزبي من خلال حزب العدالة والتنمية. فقد أدى الفصل النسبي بين المجال الدعوي والمجال الحزبي إلى إعادة توزيع الأدوار داخل الحركة الإسلامية المغربية، لكنه فتح في الوقت نفسه المجال أمام نقاشات حول حدود هذا الفصل وآثاره على الهوية الدعوية. وبالنسبة إلى بعض الأعضاء والمتابعين، كان انتقال شخصيات وازنة إلى العمل الحزبي يعني، بصورة أو بأخرى، أن المشروع الدعوي أصبح أكثر ارتباطا بالحسابات السياسية والانتخابية، الأمر الذي يمكن أن يولد لدى بعض الفاعلين شعورا بأن الحركة فقدت جزءا من جاذبيتها الأيديولوجية الأولى. وفي مثل هذه الحالات لا يكون الانفصال دائما نتيجة خلاف شخصي أو تنظيمي، وإنما قد يمثل محاولة لإعادة بناء هوية إسلامية يعتبرها الفرد أكثر اتساقا مع قناعاته الأصلية.

غير أن النموذج الأكثر وضوحاً لهذه العملية في المغرب ارتبط بالسلفية الجهادية، ولا سيما في أعقاب أحداث الدار البيضاء في ماي 2003 وما رافقها من حملة اعتقالات ومحاكمات واسعة. فقد ساهمت تلك الأحداث في إنتاج بيئة شديدة الاستقطاب، أصبح فيها جزء من التيار السلفي الجهادي ينظر بعين الريبة إلى السلفية (العلمية) التي اختارت التعايش مع الدولة، كما ينظر إلى الأحزاب الإسلامية المشاركة في العملية السياسية باعتبارها نموذجا لـ(الإسلام المروض). وفي هذا السياق، لم يعد الخلاف متعلقا فقط بالوسائل، وإنما أصبح خلافا حول الشرعية ذاتها هل المشاركة السياسية تمثل استراتيجية واقعية لتحقيق الإصلاح، أم أنها تعني التخلي عن المبادئ المؤسسة للمشروع الإسلامي؟

وقد ظهرت هذه الإشكالية بوضوح خلال النقاشات التي رافقت محاولات إدماج بعض السلفيين الخارجين من السجون في المجال السياسي والمدني بعد 2003. فقد أشار محمد ضريف إلى وجود صراع استقطاب بين بعض الفاعلين السياسيين حول استمالة هذه الفئة وإعادة إدماجها في المجال المؤسسي. غير أن بعض رموز السلفية الجهادية السابقة عبروا عن رفضهم لهذا النوع من الإدماج، انطلاقا من تصور مفاده أن سنوات السجن لم تكن مجرد تجربة شخصية وإنما جزءا من هوية نضالية لا يمكن اختزالها في العودة إلى الحياة السياسية العادية. وفي هذا المعنى، فإن رفض الإدماج لم يكن بالضرورة رفضا للمجال السياسي في ذاته، بقدر ما كان رفضا للصيغة التي يُراد من خلالها إعادة تعريف هوية الفرد وماضيه السياسي والفكري.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند دراسة مسارات ما بعد السجن، لأن السجن قد لا يؤدي دائما إلى الاعتدال أو المراجعة فقد ينتج، في بعض الحالات، أثرا عكسيا. فإذا خرج الفرد من السجن وهو يشعر بأن التنظيمات الإسلامية المعتدلة لم تدافع عنه، وأن الدولة عاقبته بسبب أفكاره، وأن المجتمع لم يفهم تجربته، فقد يصبح أكثر قابلية لتفسير تجربته من خلال خطاب راديكالي يرى في القمع دليلا على صحة مواقفه السابقة. وهنا يتداخل التصلب المضاد مع تجربة القمع، بحيث يصبح التنظيم الأكثر تشددا قادرا على تقديم نفسه باعتباره الحامل الحقيقي للهوية التي يشعر الفرد بأنها تعرضت للخيانة أو الإجهاض داخل التنظيمات المعتدلة.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى بعض حالات الالتحاق بتنظيم داعش لدى مغاربة وغيرهم باعتبارها الحلقة الأكثر تطرفا في سلسلة من عمليات إعادة تعريف الهوية الأيديولوجية. فالفرد قد يبدأ داخل بيئة إسلامية دعوية أو حركية، ثم يشعر بأن التنظيم الذي انتمى إليه أصبح أكثر اعتدالا من اللازم، فينتقل إلى تيار أكثر تشددا، ثم يعيد تقييم هذا التيار نفسه باعتباره غير حاسم بما يكفي، إلى أن يجد في التنظيم الجهادي العابر للحدود نموذجا يقدم نفسه باعتباره أكثر راديكالية ووضوحا. وبذلك لا يكون الانتقال مجرد تغيير في الانتماء التنظيمي، وإنما عملية مزايدة متدرجة على الهوية السابقة، ينتقل فيها الفرد من موقع إلى آخر بحثا عن صيغة يعتقد أنها أكثر أصالة وأقل تنازلا.

النمط السابع: الإحباط والانسحاب الكلي

يمثل الإحباط والانسحاب الكلي أحد أكثر مسارات الخروج هدوءا وأقلها ظهورا في المجال العام، لأن الفرد الذي يسلكه لا يتحول بالضرورة إلى ناقد للتنظيم، ولا ينخرط في تنظيم بديل، ولا يعيد بناء تجربته السابقة في صورة مشروع فكري أو ديني جديد، وإنما ينسحب تدريجيا من المجال العام برمته. وهنا لا يكون الخروج تعبيرا عن تبني قناعة بديلة بقدر ما يكون نتيجة استنزاف تراكمي يفقد معه الفرد الرغبة والقدرة على الاستثمار مجددا في العمل الجماعي أو الدعوي أو السياسي.

ويبدأ هذا المسار غالبا من فجوة تتسع تدريجيا بين الصورة المثالية التي حملها الفرد عن التنظيم والحركة وبين الخبرة اليومية التي يكتسبها من الداخل. فقد يدخل الفرد التنظيم وهو يتوقع أن يجد جماعة متماسكة، وعلاقات أخوية قائمة على الثقة، وقيادة عادلة، ومشروعا تاريخيا واضحا، وآليات لاتخاذ القرار تنسجم مع المبادئ التي يعلنها التنظيم. لكن الاحتكاك بالممارسة اليومية قد يكشف له تدريجيا وجود صراعات داخلية، وحسابات مصلحية، وتفاوت بين الخطاب والممارسة، وأشكال من التراتبية أو الإقصاء أو المحاباة، فضلا عن محدودية النتائج مقارنة بحجم التضحيات التي يطلبها التنظيم من أعضائه. ومع تراكم هذه التناقضات، لا يحدث بالضرورة انفصال مفاجئ، وإنما تتاكل تدريجيا الشرعية العاطفية والأخلاقية التي كان التنظيم يتمتع بها في وعي الفرد.

وتكتسب هذه العملية أهمية خاصة عندما تكون توقعات الفرد مرتفعة جدا. فكلما كانت صورة التنظيم أكثر مثالية، وكلما ارتبط الانتماء لديه بمعاني التضحية والرسالة والالتزام الأخلاقي، كانت الصدمة الناتجة عن اكتشاف التناقض بين المثال والواقع أكثر عمقا. ولذلك فإن الإحباط هنا لا ينتج فقط عن فشل سياسي أو تنظيمي محدد، وإنما ع

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك