أنتلجنسيا:أبو جاسر
خرجت جماعة العدل والإحسان عن صمتها إزاء مشاهد النزوح الجماعي غير المسبوق التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة، معتبرة أن ما جرى ليس مجرد حادث عابر أو موجة هجرة عادية، بل مؤشر خطير على عمق الأزمة التي يعيشها المغرب على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بعدما تحولت آلاف الأسر والشباب إلى عنوان لمأساة إنسانية هزت الرأي العام داخل البلاد وخارجها.
وقالت الجماعة، في بيان صادر عن الأمانة العامة لدائرتها السياسية، إن الأحداث المأساوية التي شهدتها السواحل الشمالية للمملكة، والتي أسفرت وفق معطيات أولية عن سقوط ضحايا ومفقودين ومصابين، تعكس حجم الاختلالات المتراكمة التي دفعت عشرات الآلاف من المغاربة إلى المجازفة بأرواحهم بحثا عن مستقبل خارج حدود الوطن.
واعتبرت الجماعة أن التزامن بين هذه المشاهد الصادمة والخطابات الرسمية التي تتحدث عن نجاحات وإنجازات تنموية يطرح أسئلة حقيقية حول الواقع الذي يعيشه المواطنون، مؤكدة أن صور الشباب وهم يندفعون نحو البحر شكلت، بحسب تعبيرها، أبلغ رد على الروايات المتفائلة التي تقدمها المؤسسات الرسمية بشأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
وأبرز البيان أن ما وقع يمثل رسالة قوية تعكس حجم اليأس الذي يتسلل إلى فئات واسعة من المجتمع، خصوصا في صفوف الشباب، الذين باتوا ينظرون إلى الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد من واقع يتسم بتراجع فرص الشغل واتساع دائرة الهشاشة وتآكل الأمل في تحقيق حياة كريمة داخل الوطن.
وفي تصعيد واضح لنبرتها السياسية، حملت الجماعة النظام السياسي المسؤولية الكاملة عما آلت إليه الأوضاع، معتبرة أن السياسات المتبعة خلال السنوات الماضية ساهمت في تعميق الفوارق الاجتماعية وترسيخ مظاهر الفساد والاحتكار وإضعاف الثقة في المؤسسات، وهو ما أدى، وفق رؤيتها، إلى اتساع مشاعر الإحباط لدى فئات واسعة من المواطنين.
كما وجهت الجماعة انتقادات حادة لما وصفته بالصمت الرسمي الذي رافق تطورات الأزمة خلال الأيام الأولى، معتبرة أن غياب التواصل المؤسساتي وترك الرأي العام أمام سيل من الأخبار المتضاربة فتح المجال أمام التأويلات والتساؤلات، داعية إلى كشف جميع المعطيات المرتبطة بما حدث وإعلان حصيلة دقيقة للضحايا والمفقودين وترتيب المسؤوليات بكل وضوح وشفافية.
وفي السياق نفسه، حذرت من استغلال هذه المأساة في صراعات سياسية أو حسابات إقليمية ودولية، مؤكدة أن الكارثة الإنسانية التي عاشها آلاف المغاربة يجب ألا تتحول إلى ورقة للمساومة أو الضغط في ملفات خارجية، لأن ذلك يمس بصورة المواطن المغربي وكرامته ويختزل معاناته في رهانات لا علاقة لها بمصالحه الحقيقية.
ولم يقتصر موقف الجماعة على تحميل المسؤولية للداخل فقط، بل وسعت دائرة الانتقاد لتشمل النظام الدولي، معتبرة أن الاختلالات العالمية واستمرار الفوارق الاقتصادية بين الشمال والجنوب وسياسات الهيمنة ونهب الثروات تساهم بدورها في دفع آلاف الشباب نحو الهجرة القسرية والمغامرة بحياتهم في عرض البحر بحثا عن فرص أفضل للعيش.
وأكدت الجماعة أن المقاربة الأمنية وحدها لن تكون قادرة على معالجة جذور الأزمة، مشددة على أن الحل يكمن في إطلاق إصلاحات عميقة تؤسس لدولة تقوم على الحرية والعدالة والكرامة وتكافؤ الفرص، وتعيد الثقة للمواطنين في مستقبلهم داخل بلادهم بدل دفعهم إلى البحث عن الخلاص خارجها.
وختمت العدل والإحسان موقفها بالتعبير عن تعازيها لعائلات الضحايا والمفقودين، معتبرة أن ما شهدته سبتة خلال الأيام الأخيرة يجب أن يشكل جرس إنذار حقيقيا لكل الفاعلين والمؤسسات، لأن استمرار نزيف الهجرة بهذا الحجم يعكس وجود أزمة أعمق من مجرد حادث حدودي عابر، ويطرح بإلحاح سؤال النموذج التنموي والعدالة الاجتماعية والثقة في المستقبل داخل المغرب.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك