أنتلجنسيا المغرب:أبو ملاك
تشهد العديد من المدن المغربية خلال السنوات الأخيرة توسعاً
عمرانياً متسارعاً أصبح يثير قلق المهتمين بالشأن البيئي والعمراني، بعدما امتدت
البنايات والتجمعات السكنية نحو مساحات كانت إلى وقت قريب تشكل متنفساً طبيعياً
للسكان أو أراضي فلاحية تساهم في التوازن البيئي والإنتاج الزراعي. وأمام هذا
الواقع تتزايد الأصوات المطالبة بوضع رؤية أكثر صرامة لحماية ما تبقى من الغابات
والمناطق الخضراء والأراضي الخصبة من ضغوط التوسع العمراني غير المتحكم فيه.
ويلاحظ متابعون أن عدداً من المدن فقد خلال سنوات قليلة أجزاء
مهمة من غطائه النباتي ومساحاته المفتوحة لصالح مشاريع عمرانية وتجارية مختلفة،
الأمر الذي انعكس على جودة الهواء وارتفاع درجات الحرارة المحلية وتراجع المؤشرات
البيئية التي تساهم في تحسين ظروف العيش داخل التجمعات الحضرية.
ولا تقتصر تداعيات هذا الزحف على الجانب البيئي فقط، بل تمتد
إلى المجال الفلاحي أيضاً، حيث تعرضت أراضٍ زراعية في بعض المناطق لضغوط متزايدة
نتيجة التوسع العمراني، ما أدى إلى تقليص المساحات المنتجة وتحويلها إلى مشاريع
سكنية أو استثمارية. ويعتبر مختصون أن استمرار هذا الوضع قد يطرح مستقبلاً تحديات
إضافية مرتبطة بالأمن الغذائي والمحافظة على الموارد الطبيعية.
وتبرز في هذا السياق دعوات متزايدة إلى سن قوانين أكثر صرامة
تجرم الاعتداء على الغابات والمساحات الخضراء والأراضي الفلاحية ذات القيمة
الإنتاجية العالية، مع تشديد آليات المراقبة والعقوبات ضد كل أشكال المضاربة
العقارية التي تتم على حساب التوازن البيئي والمصلحة العامة.
كما يؤكد خبراء التخطيط الحضري أن المدن الحديثة لم تعد تقاس
فقط بعدد البنايات والطرق والمشاريع العقارية، بل أيضاً بمستوى توفر الحدائق
والفضاءات الخضراء ومناطق التنفس البيئي التي تساهم في تحسين الصحة النفسية
والجسدية للسكان وتحد من آثار التلوث والاحتباس الحراري داخل المدن.
وفي المقابل يبرز معطى آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التراجع
الملحوظ في الإقبال على اقتناء الشقق والمساكن لدى فئات واسعة من المواطنين. ويعزو
كثيرون هذا التراجع إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، من بينها ارتفاع الأسعار
بشكل يفوق القدرة الشرائية لشريحة واسعة من الأسر، فضلاً عن تنامي الشكاوى
المرتبطة بجودة البناء واحترام المعايير التقنية والهندسية.
وأصبحت قضايا الغش في بعض المشاريع السكنية موضوعاً متكرراً في
النقاش العمومي، حيث يعبر عدد من المشترين عن استيائهم من ظهور عيوب ومشاكل تقنية
بعد فترات قصيرة من التسلم، سواء تعلق الأمر بالتشققات أو مشاكل العزل أو ضعف جودة
التجهيزات المستعملة، وهو ما أثر على ثقة جزء من المواطنين في بعض العروض العقارية
المتاحة.
كما أن اختيار مواقع بعض المشاريع السكنية يثير بدوره انتقادات
متزايدة، خاصة عندما يتم إنجازها في مناطق تفتقر إلى البنيات التحتية الضرورية أو
الخدمات الأساسية أو شبكات النقل المناسبة، ما يجعل السكن فيها أقل جاذبية رغم
توفر الوحدات المعروضة للبيع.
ويضاف إلى ذلك ضعف جودة بعض الشوارع والمرافق المحيطة بعدد من
التجمعات السكنية الجديدة، حيث يجد السكان أنفسهم أمام أحياء تفتقر إلى المساحات
الخضراء والمدارس والمراكز الصحية ووسائل النقل الكافية، وهو ما يقلص من القيمة
الحقيقية للسكن ويؤثر على جودة الحياة اليومية.
وأمام هذه التحديات
المتراكمة، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لسياسات التعمير والإسكان بما يحقق
التوازن بين متطلبات التنمية العمرانية والحفاظ على البيئة والأراضي الفلاحية،
ويضمن في الوقت نفسه احترام معايير الجودة والشفافية في القطاع العقاري. فالمغرب
لا يحتاج فقط إلى مزيد من الإسمنت والبنايات، بل يحتاج أيضاً إلى مدن إنسانية تحفظ
حق المواطنين في الهواء النقي والفضاءات الخضراء والسكن اللائق والبيئة السليمة
التي تشكل أساس التنمية المستدامة وجودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك