الحركة الإسلامية بين منطق الإصلاح ووظيفة الاحتواء السياسي

الحركة الإسلامية بين منطق الإصلاح ووظيفة الاحتواء السياسي
تقارير / الجمعة 06 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة

تمثل العلاقة بين الحركات الإسلامية والسلطة السياسية إحدى أكثر الظواهر تعقيدا في المشهد السياسي المعاصر في العالم العربي. فمنذ صعودها كقوى اجتماعية وسياسية مؤثرة، واجهت هذه الحركات تحديات بنيوية في سعيها للتغيير والإصلاح، خاصة في ظل أنظمة سياسية ذات طبيعة خاصة، مثل النظام المغربي الذي يعرف بـ المخزن. تسعى هذه الدراسة إلى تحليل إشكالية المشاركة السياسية للحركات الإسلامية في المغرب، مع التركيز على تجربة حزب العدالة والتنمية، كنموذج بارز لفهم التجاذبات بين منطق الإصلاح الذي تتبناه هذه الحركات، ووظيفة الاحتواء السياسي التي تمارسها الدولة. سنستكشف كيف أن الانتقال من الدعوة إلى الحكم لا يمثل مجرد تحول في الأدوات، بل هو تحول جذري في الهوية والوظيفة، قد يؤدي إلى فقدان الشرعية الدعوية دون تحقيق السيطرة السياسية الفعلية. ومن خلال تحليل تجربة شخصيات بارزة مثل عبد الإله بنكيران، سنسعى لفهم حدود الفعل السياسي للحركات الإسلامية في ظل قواعد اللعبة التي يفرضها النظام السياسي المغربي.

1 من منطق الدعوة إلى منطق الدولة: أزمة تحول المشروع الإسلامي

تأسست الحركات الإسلامية، وفقا لهويتها التأسيسية، كقوى إصلاحية تسعى إلى إعادة صياغة النظام السياسي والاجتماعي وفق منظومة قيمية دينية. غير أن المشاركة في نظم مخزنية يجعلها مضطرة إلى التكيف مع منطق الدولة الذي يقوم على ممارسات تناقض الأهداف الأصلية للحركة. وبالرجوع إلى التجربة المغربية، نجد أن العدالة والتنمية قد مر بثلاث مراحل رئيسية: مرحلة الدعوة الإصلاحيةقبل الانخراط السياسي الفعلي مرحلة الدمج السياسي نهاية التسعينات، ومرحلة التحول إلى أداة استقرار للنظام بعد انتخابات 2011. هذا التحول لم يكن خيارا حرا للحركة، بل نتيجة ضغط بنية الدولة العميقة ، حيث يشكل المخزن نموذجا للدولة العميقة التي تدير الحقل السياسي بمنطق الضبط والسيطرة.

2 بنكيران بين خطاب المعارضة وممارسة الترويض السياسي

عبد الإله بنكيران  يعد من أبرز الفاعلين السياسيين في المغرب خلال العقد الأخير، وقد تميزت تجربته بمفارقة جوهرية بين الخطاب والممارسة. فمن جهة، تبنى بنكيران خطابا شعبويا ينتقد التحكم ويدافع عن إرادة الشعب، ومن جهة أخرى، برهن خلال تجربته في رئاسة الحكومة (2011-2017) على قابلية عالية للتكيف مع البنية المخزنية القائمة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة دوره: هل كان فاعلا تغيريا أم مجرد وسيط داخل منظومة الترويض السياسي؟

رغم توليه منصب رئيس الحكومة في سياق الربيع العربي وتبني المغرب لدستور جديد عام 2011، أظهرت تجربة بنكيران أن السلطة التنفيذية في المغرب ما تزال محدودة بحدود الثوابت الدستورية غير المكتوبة، وعلى رأسها استمرار هيمنة المؤسسة الملكية على الملفات السيادية (الدفاع، الأمن، التعيينات الكبرى…). وعليه، فإن بنكيران، رغم رمزية منصبه، لم يكن يملك أدوات الفعل الاستراتيجي الكامل، بل كان يتحرك ضمن هوامش مقيدة سلفا. وهذا ما يتوافق مع مقاربة دانيال برومبرغ التي تصف بعض الأنظمة بـالتحول المشروط حيث تمنح النخب المنتخبة سلطات جزئية تحت رقابة محكمة.

بعد إعفائه من تشكيل الحكومة سنة 2017، ثم تهميشه سياسيا، عاد بنكيران إلى قيادة حزب العدالة والتنمية سنة 2025. غير أن هذه العودة لم تكن نتيجة حراك سياسي داخلي ديمقراطي يعكس دينامية في التداول القيادي، بل جاءت في سياق فراغ في البدائل التنظيمية، ما يعكس أزمة بنيوية داخل الحزب، تؤكد اختزال المشروع السياسي للحزب في شخص بنكيران، وهو ما يقوض الرهانات المؤسساتية لأي حزب يفترض فيه أن يبني شرعيته على البرامج لا الأشخاص.

ولفهم موقع بنكيران من زاوية نظرية، يمكن الاستعانة بثنائية أنطونيو غرامشي ونيقولا مكيافيلي. فغرامشي يتحدث عن (المثقف العضوي) القادر على بناء تحالفات طبقية وتغيير الهيمنة الثقافية عبر (حرب المواقع)، وهو ما لا ينطبق على بنكيران، الذي لم يقدم مشروعا بنيويا بديلا، بل تعامل مع الواقع القائم كما هو. بالمقابل، يبدو أقرب إلى مكيافيلي في كتاب الأمير، حيث السياسي الناجح هو من يحسن قراءة موازين القوى ويعرف متى يتراجع ومتى يناور. بنكيران مثل هذا النموذج بامتياز؛ فقد تبنى خطابا جدابا لكنه لم يصطدم جوهريا بالبنية العميقة للنظام السياسي المغربي، بل حافظ على استمرارية النسق، وساهم  بطريقة أو بأخرى  في ترويض جزء من مطالب الشارع بعد 2011. 

تجربة عبد الإله بنكيران تكشف عن حدود الفعل السياسي ، حيث يمنح الفاعل السياسي هامشا للتحرك مقابل قبوله بقواعد اللعبة. وبقدر ما أظهر بنكيران مهارات في التكيف والخطابة والوساطة، فإن تجربته تؤكد أن الخطاب الشعبوي، ما لم يكن متبوعا بمشروع تغييري حقيقي، ينقلب إلى أداة لإعادة إنتاج الاستقرار.

 

3 الأحزاب السياسية في المغرب: بين الوظيفة المخزنية وتاكل الفعل السياسي الحقيقي

يطرح سؤال جوهري في السياق المغربي: هل توجد حياة حزبية حقيقية؟ هذا السؤال يقودنا إلى مناقشة أعمق لطبيعة النظام السياسي المغربي، الذي يختزل غالبا في مفهوم (المخزن) كجهاز سلطوي مركزي يحتكر القرار ويدير الحقل السياسي بمنطق الضبط والتوجيه، لا بمنطق التعددية الديمقراطية الحقيقية. يظهر تحليل المشهد الحزبي في المغرب وجود صنفين رئيسيين من الأحزاب: أحزاب مخزنية بالنشأة، وأحزاب (تمخزنت) تدريجيا. الصنف الأول هو تلك التي تأسست بقرار مباشر أو غير مباشر من السلطة لملء فراغات سياسية أو لتقويض قوى المعارضة التاريخية، وهي تؤدي وظيفة مزدوجة: شرعنة النظام من خلال تقديم واجهة ديمقراطية شكلية، واحتواء المطالب الاجتماعية والسياسية ضمن قنوات يمكن التحكم فيها. أما الصنف الثاني، فهو تلك الأحزاب التي نشأت في الأصل كقوى معارضة أو إصلاحية، لكنها انزلقت تدريجيا إلى دائرة الترويض السياسي، بفعل دينامية (الاحتواء الناعم) التي تتقنها الدولة. ويعد حزب العدالة والتنمية المثال الأوضح على ذلك، حيث دخل الحياة السياسية بشعار الإصلاح من الداخل، لكنه تحول خلال عقدين من الزمن إلى فاعل مهادن يكرس الاستقرار السياسي أكثر مما يعارض أو يصوغ بدائل حقيقية.

4 ديناميات الاحتواء السياسي: المخزن كفاعل رئيسي

يعد مفهوم المخزن محوريا لفهم ديناميات الاحتواء السياسي في المغرب. فالمخزن، الذي تطور من مجرد جهاز إداري ومالي إلى نظام سياسي معقد، يمثل السلطة الحاكمة التي تمحورت تاريخيا حول الملك أو السلطان. يتألف هذا الكيان من مجموعة من النخب التقليدية والحديثة، بما في ذلك النظام الملكي، الأعيان، ملاك الأراضي، زعماء القبائل، وكبار العسكريين، ومدراء الأمن. إن طبيعة المخزن، ، تكمن في قدرته على التكيف مع التغيرات السياسية والاجتماعية، مع الحفاظ على جوهر سيطرته.و يعتمد على منطق الضبط والسيطرة في إدارة الحقل السياسي، ويستخدم اليات متعددة لضمان استمرارية النسق، بما في ذلك احتواء الفاعلين السياسيين الجدد.

تاريخيا، سيطر الصراع على السلطة بين (بلاد المخزن) (المناطق الخاضعة للسلطان) وبلاد السيبة (المناطق الخارجة عن سيطرته). ومع استعادة المغرب لاستقلاله وبناء مؤسسات الدولة الحديثة، لم يعد المخزن موجودا بالمعنى التقليدي النظري، لكن تأثيره ودينامياته استمرت في التبلور من خلال آليات غير مباشرة.

تستخدم الدولة المغربية، ممثلة في المخزن، آليات متعددة لاحتواء الحركات الإسلامية، مما يؤدي إلى تاكل مشروعها الإصلاحي وتحويلها إلى فاعلين مهادنين. يمكن تصنيف هذه الاليات إلى:

الدمج المؤسسي

يتمثل الدمج المؤسسي في تمكين الأحزاب الإسلامية من الوصول إلى مواقع إدارية وتدبيرية داخل مؤسسات الدولة، مثل البرلمان والحكومة. هذا الدمج، على الرغم من أنه يمنح هذه الأحزاب شرعية سياسية ومشاركة ظاهرية، إلا أنه يربط مصالحها بمصالح (الدولة العميقة). ففي حالة حزب العدالة والتنمية، أظهرت التجربة أن توليه رئاسة الحكومة لم يمنحه أدوات الفعل الاستراتيجي الكامل، بل كان يتحرك ضمن هوامش مقيدة سلفا  هذا الدمج يهدف إلى استيعاب الطاقات المعارضة وتوجيهها نحو قنوات يمكن التحكم فيها، مما يضمن استقرار النظام ويقلل من حدة المعارضة الخارجية.

الترويض السياسي

يتضمن الترويض السياسي عملية تكييف تدريجي للحركات الإسلامية مع منطق الدولة وقواعد اللعبة السياسية. هذا التكييف يؤدي إلى فقدان الأحزاب الإسلامية لوضوحها البرامجي والأيديولوجي، حيث تذوب في السردية الرسمية للدولة  تجربة عبد الإله بنكيران، الذي تبنى خطابا شعبويا معارضا للتحكم، لكنه أظهر قابلية عالية للتكيف مع البنية المخزنية القائمة خلال فترة رئاسته للحكومة، تعد مثالا واضحا على هذه الدينامية. فالترويض لا يعني بالضرورة القضاء على الحزب، بل تحويله إلى أداة لخدمة استقرار النظام، حتى لو كان ذلك على حساب مشروعه التغييري الأصلي.

التفريغ البرامجي والتحكم الانتخابي

يتم تفريغ الأحزاب الإسلامية من محتواها البرامجي تدريجيا، حيث تفقد وضوحها الأيديولوجي وتذوب في سردية الدولة. هذا التفريغ يتم عبر آليات متعددة، منها الهندسة الحزبية والقوانين الانتخابية التي تصمم لضمان عدم ظهور قوى سياسية ذات وزن شعبي أو مستقل يهدد التوازن القائم. فعلى الرغم من أن حزب العدالة والتنمية دخل الحياة السياسية بشعار الإصلاح من الداخل، إلا أنه تحول إلى فاعل مهادن يكرس الاستقرار السياسي أكثر مما يعارض أو يصوغ بدائل حقيقية. هذا التحكم الانتخابي يضمن أن تظل الأحزاب، حتى تلك التي تتمتع بقاعدة شعبية، مجرد أدوات لتأثيث المشهد الديمقراطي الموجه، بدلا من أن تكون مساهمة حقيقية في مؤسسة ديمقراطية فعالة.

 5 المعضلة المزدوجة: فقدان الهوية والإخفاق التكتيكي

تجسد تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب معضلة مزدوجة تعانيها الحركات الإسلامية عند انخراطها في العمل السياسي: فقدان الهوية الدعوية والتربوية، والإخفاق السياسي والتكتيكي

إن دخول الحركات الإسلامية إلى مؤسسات الدولة، مثل الحكومة والبرلمان، يفرض عليها التحول من حامل لمشروع دعوي تغييري إلى مجرد فاعل سياسي محكوم بمنطق التحالفات والتوازنات والاعتبارات البراغماتية. هذا التحول يؤدي إلى تراجع الخطاب القيمي والأخلاقي لصالح خطاب تبريري يراعي الواقع أكثر مما يسعى إلى تغييره. ونتيجة لذلك، يفقد الحزب بمرور الوقت قوته التعبوية وقدرته على التأطير المجتمعي، خاصة بعد اختزال العمل الإسلامي في اليات حكومية محدودة الصلاحيات. فعندما تذوب الدعوة في السياسة، تفقد الحركة تميزها القيمي، وعندما لا تنجح في السياسة، تخسر ثقة المجتمع.

لم يكن فشل الحزب في تحقيق اختراق سياسي حقيقي نابعا فقط من شراسة المنظومة المخزنية، بل أيضا من محدودية رؤية الحزب في إدارة معركته السياسية. فبدلا من مواجهة منطق الدولة أو حتى التفاوض الجاد على هامش إصلاح مؤسسي حقيقي، اختار الحزب التكيف مع هذا المنطق. ومع مرور الوقت، انكشف أن المشاركة لم تكن وسيلة للتمكين، بل وسيلة للاستهلاك والتاكل، وهو ما تجلى بوضوح في سقوط الحزب المدوي في انتخابات 2021، الذي شكل حكما شعبيا على مسار فقد فيه الحزب بوصلته السياسية والدعوية في آن واحد

الخاتمة  

تجسد تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب إحدى أبرز المفارقات التي تعانيها الحركات الإسلامية المعاصرة عند انخراطها في العمل السياسي. فبقدر ما تسعى هذه الحركات إلى تحقيق التغيير من داخل المؤسسات، تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر هويتها الدعوية والأخلاقية، مما يؤدي إلى تاكل مشروعها الإصلاحي من الداخل. لقد كشفت المشاركة السياسية لحركة ذات مرجعية إسلامية، مثل العدالة والتنمية، عن معضلة مزدوجة: فقدان الهوية الدعوية والتربوية، والإخفاق السياسي والتكتيكي. فعندما تذوب الدعوة في السياسة، تفقد الحركة تميزها القيمي، وعندما لا تنجح في السياسة، تخسر ثقة المجتمع. ويكون الحصاد مزدوجا: فشل في التأثير، وخسارة في القاعدة. وعليه، فإن هذه التجربة تبرز ضرورة مراجعة عميقة لمسارات المشاركة السياسية للحركات الإسلامية، وتفكيك مفاهيم التمكين من الداخل والتدرج الإصلاحي وإعادة بناء استراتيجية نضالية تراعي خصوصية السياقات السلطوية، وتجمع بين الاستقلالية الأخلاقية والفعالية السياسية، دون التفريط في روح المشروع الدعوي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك