أنتلجنسيا المغرب: حمان ميقاتي/م.كندا
تتجه الأنظار مجددًا نحو تصاعد
التوترات في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالرهانات
الاقتصادية في صراع معقد تتقاطع فيه مصالح قوى كبرى، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل
في مواجهة إيران، في مشهد يعكس واحدة من أخطر مراحل إعادة تشكيل التوازنات الدولية.
في قلب هذه الأزمة، يبرز اسم دونالد
ترامب كفاعل سياسي يثير الكثير من الجدل، حيث يُنظر إلى تحركاته وتصريحاته على
أنها جزء من استراتيجية ضغط متعددة الأبعاد، تستهدف ليس فقط الخصوم، بل حتى
الحلفاء، خاصة في منطقة الخليج التي تجد نفسها في موقع حساس بين مطرقة الحرب
وسندان التكاليف الاقتصادية الباهظة.
الضغوط التي تمارسها الإدارة
الأمريكية، وفق تحليلات متداولة، تتجاوز البعد العسكري إلى محاولة تحميل دول
الخليج جزءًا من كلفة الصراع، سواء بشكل مباشر عبر الدعم المالي أو غير مباشر عبر
التزامات اقتصادية واستثمارات، وهو ما يعيد إلى الواجهة طبيعة العلاقة غير المتوازنة
بين القوى الكبرى والدول الغنية بالموارد.
ويأتي هذا في سياق اضطراب خطير في
واحد من أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره
نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، حيث أدى أي تهديد أو إغلاق جزئي له إلى ارتفاع
أسعار الطاقة بشكل فوري، ما انعكس على الأسواق العالمية وأدى إلى موجة تضخم أثقلت
كاهل الدول المستوردة.
الانعكاسات لم تقتصر على أسعار
الوقود، بل امتدت إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي، حيث تأثرت سلاسل التوريد،
وارتفعت تكاليف الإنتاج، واضطرت شركات عديدة إلى تقليص نشاطها أو الإغلاق، وهو ما
زاد من هشاشة الاقتصاد العالمي الذي لم يتعافَ بعد بشكل كامل من أزمات سابقة.
في هذا السياق، يعود النفط ليكون مرة
أخرى في قلب الصراع، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كورقة جيوسياسية تُستخدم للضغط
والمساومة، حيث تتحول الدول المنتجة إلى أهداف للضغوط، بينما تسعى القوى الكبرى
إلى ضمان تدفق الإمدادات بشروط تخدم مصالحها الاستراتيجية.
وتُطرح تساؤلات عميقة حول ما إذا كانت
هذه الأزمة قد تدفع نحو إعادة تشكيل تحالفات جديدة، خاصة في ظل الحديث عن إمكانية
توحد بعض الدول العربية في موقف أكثر صلابة، غير أن هذا السيناريو يظل معقدًا في
ظل تباين المصالح والارتباطات الدولية لكل دولة.
كما أن ميزان القوة العسكري
والتكنولوجي لا يزال يميل بشكل واضح لصالح القوى الكبرى، ما يجعل أي مواجهة مباشرة
غير متكافئة، ويزيد من صعوبة الحديث عن تغيير جذري في موازين القوى في المدى
القريب.
من جهة أخرى، تعكس هذه التطورات طبيعة
السياسة الدولية التي تحكمها المصالح قبل المبادئ، حيث تتداخل الاعتبارات
الاقتصادية مع القرارات العسكرية، ويصبح السلام في كثير من الأحيان خيارًا مؤجلًا
أمام حسابات الربح والخسارة.
ويرى مراقبون أن شخصية ترامب، كرجل
أعمال قبل أن يكون سياسيًا، تلعب دورًا في هذا النهج، حيث يُنظر إلى تحركاته من
زاوية الصفقات والنتائج المادية، ما يعزز الانطباع بأن الهدف لا يقتصر على إنهاء
النزاعات، بل إعادة ترتيبها بما يخدم النفوذ الأمريكي.
في المقابل، تعيش دول الخليج وضعًا
دقيقًا، فهي من جهة حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تتحمل تبعات
مباشرة لأي تصعيد في المنطقة، سواء من حيث الأمن أو الاقتصاد، وهو ما يضعها أمام
خيارات صعبة ومعقدة.
كما أن تداعيات هذه الأزمة لا تقتصر
على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا، حيث تعتمد العديد من الدول
على استقرار إمدادات الطاقة، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة ذا تأثير عالمي واسع.
وتبرز هنا إشكالية الاعتماد الكبير
على النفط كمصدر رئيسي للطاقة، وهو ما يجعل الاقتصاد العالمي عرضة للتقلبات
السياسية، ويعيد النقاش حول ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المناطق
المتوترة.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم
أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز الحروب التقليدية إلى حروب اقتصادية وطاقية،
حيث تلعب الأسواق دورًا لا يقل أهمية عن الجبهات العسكرية.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا حول
مستقبل هذه الأزمة، وما إذا كانت ستتجه نحو التصعيد أو التهدئة، غير أن المؤكد هو
أن الصراع الحالي يكشف عن هشاشة النظام الدولي، وعن استمرار هيمنة منطق القوة
والمصلحة في توجيه مسارات العالم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك