خضر المغاربة بين "الفيتو الصامت" وانهيار الأسواق أو حين تُحاصر البطاطس والبصل بقرارات غامضة ويتبخر النفوذ الفلاحي في إفريقيا

خضر المغاربة بين "الفيتو الصامت" وانهيار الأسواق أو حين تُحاصر البطاطس والبصل بقرارات غامضة ويتبخر النفوذ الفلاحي في إفريقيا
تقارير / الإثنين 30 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

في مفارقة صادمة تعكس ارتباكاً عميقاً في تدبير الأمن الغذائي، يجد المغاربة أنفسهم أمام موجة غلاء خانقة وندرة في خضر أساسية، بينما تُغلق الأبواب في وجه حلول سريعة كان يمكن أن تخفف الضغط عن السوق. خلف هذا المشهد، تتحدث معطيات مهنية عن قرار غير معلن صادر عن وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، يقضي عملياً بعرقلة استيراد البصل والبطاطس من أسواق متوسطية مثل مصر وتركيا، في خطوة وُصفت داخل الأوساط المهنية بـ”الفيتو الصامت”.

هذا التوجه، الذي أوقف مساعي مستوردين كانوا يعوّلون على جلب هذه المواد بأسعار أقل، لم يأتِ في سياق مريح، بل في لحظة بلغت فيها الأسعار مستويات قياسية، ما جعل القدرة الشرائية للأسر على المحك. وبدل أن يُفتح باب التوريد كصمام أمان لتوازن العرض، تم اللجوء إلى مقاربة تحفظية تثير أكثر من سؤال حول منطق تدبير الأزمة، ومن يتحمل كلفتها الاجتماعية.

الأزمة لا تقف عند حدود السوق الداخلية، بل تمتد إلى ما هو أخطر: تراجع الحضور المغربي في الأسواق الإفريقية. فالمعطيات تشير إلى انحسار ملحوظ في الصادرات الفلاحية نحو عدد من دول القارة، التي بدأت تفك ارتباطها التدريجي بالمنتوج المغربي، متجهة نحو تنويع شركائها وتعزيز إنتاجها المحلي. هذا التحول لا يعكس فقط منافسة تجارية، بل يترجم فقدان موقع استراتيجي ظل المغرب يحتفظ به لسنوات.

في قلب هذا التحول، تتشكل معادلة معقدة: سوق داخلية تعاني من اختلال العرض وارتفاع الأسعار، مقابل سوق خارجية تتآكل فيها الحصص تدريجياً. وهو ما يضع القطاع الفلاحي أمام مأزق مزدوج، حيث لم يعد قادراً على تصريف فائضه حين يتوفر، ولا على تأمين حاجياته حين يشتد الخصاص.

الرهان اليوم لم يعد تقنياً أو ظرفياً، بل أصبح مرتبطاً بعمق الاختيارات الاستراتيجية. فالإبقاء على قيود غير معلنة في وجه الاستيراد، في وقت ترتفع فيه كلفة المعيشة، يطرح إشكال التوازن بين حماية الإنتاج الوطني وضمان ولوج المواطنين إلى الغذاء بأسعار معقولة. وفي المقابل، فإن فقدان الأسواق الإفريقية يكشف أن المنافسة لم تعد تُحسم فقط بالجودة أو القرب الجغرافي، بل بقدرة الدول على التكيف السريع مع التحولات الدولية.

الصورة العامة تبدو مقلقة: قرارات غير شفافة، سوق داخلية مضطربة، ونفوذ خارجي يتراجع. وبين هذه العناصر، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، يدفع ثمن اختلالات لا يملك فيها صوتاً ولا قراراً. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام أزمة عابرة في تدبير الخضر، أم بداية تصدع أعمق في نموذج فلاحي كان يُقدَّم كقصة نجاح؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك