تحولات السلفية الجهادية في السياق الغربي

تحولات السلفية الجهادية في السياق الغربي
تقارير / السبت 28 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة

تعد ظاهرة السلفية الجهادية في الغرب من أكثر القضايا تعقيدا في الدراسات الأمنية والاجتماعية المعاصرة. فهي لا تمثل مجرد ظاهرة، بل تعكس أزمة عميقة في الهوية والمعنى داخل المجتمعات الغربية. وبينما تركز القراءات السطحية على البعد الأيديولوجي الصرف، تبرز الحاجة إلى تحليل بنيوي يربط بين المسارات الفردية (المتحولون الجدد والمهاجرون) وبين الديناميات العالمية التي جعلت من تنظيمات مثل داعش والقاعدة علامات تجارية عابرة للقوميات واللغات.

أولا: شهادة من الداخل - حالة (روبير ريشارد) ونقد السلفية المحلية 

تشكل إفادات عدد من المعتقلين السابقين بشأن المعتقل الفرنسي السابق في السجون المغربية، روبير ريشارد (أبو عبد الرحمن)، معطى تحليليا ذا دلالة خاصة إذ تكشف عن ميله إلى تبني أطروحات السلفية ذات الامتداد العالمي، مقابل موقف نقدي من السلفية الجهادية في سياقها المغربي..

فإعجاب ريشارد بتنظيم القاعدة، مقابل انتقاده الشديد لمشايخ السلفية الجهادية المغربية، يكشف عن تباين في (الوعي بالحالة العالمية) 1. هذا الانتقاد يشير إلى أن الجهادي الأوروبي (سواء كان من أصول مهاجرة أو معتنقا جديدا) يبحث عن مشروع شامل يتجاوز الخصوصيات الثقافية للدول، وهو ما يفسر انجذابه لتنظيمات مركزية عالمية ترى العالم كساحة حرب واحدة، ولا تلتفت للتفاصيل الفقهية أو السياسية المرتبطة ببيئات محلية يراها بدائية أو غير واعية بالتحولات الجيوسياسية الكبرى.

ثانيا: لماذا ينتشر الفكر الجهادي بين الشباب الغربي؟

يمكن تلخيص أسباب الجذب في ثلاث نقاط جوهرية:

تعزى أسباب انجذاب الشباب الغربي، سواء من أصول مهاجرة أو المعتنقين الجدد للإسلام، إلى السلفية الجهادية إلى عدة عوامل متداخلة. 

 أولا، أزمة الهوية والاغتراب المزدوج، حيث يعاني الشباب من أصول مهاجرة من شعور بالرفض من المجتمع الغربي، وفي الوقت نفسه يشعرون بالانفصال عن ثقافة بلدانهم الأصلية. في هذا السياق، تقدم السلفية الجهادية "هوية نقية" لا تعترف بالحدود، مما يمنحهم شعوراً بالانتماء لكيان أقوى وأكبر من الدولة القومية 2. 

 ثانيا، يمكن تفسير الظاهرة من خلال أطروحة أسلمة الراديكالية التي قدمها أوليفيه روا، والتي ترى أن هؤلاء الشباب هم راديكاليون بطبعهم، وجدوا في الإسلام الجهادي القالب الأكثر قوة للتعبير عن تمردهم ضد النظام العالمي 3. 

 بالنسبة للمعتنقين الجدد، يوفر الإسلام السلفي نظاما صارما يملأ فراغا روحيا واجتماعيا في مجتمعات تتسم بالسيولة وفقدان المعنى 4.  

ثالثا، يلعب البحث عن البطولة المتخيلة دورا محوريا، حيث توفر البروباغندا الجهادية (خاصة داعش) سردية الملحمة الكونية، حيث يتحول الشاب المهمش إلى محارب في صراع بين الحق والباطل. هذا الدور البطولي يمنح الفرد كرامة رمزية يفتقدها في حياته اليومية.

ثالثا: الفوارق بين الجهادية والحركات الإسلامية التقليدية

تتميز السلفية الجهادية (خاصة في نموذج داعش) بقدرة فائقة على الجذب العالمي تتجاوز بمراحل قدرات الحركات الإسلامية التقليدية (كالإخوان المسلمين).  

 تبرز المقارنة بين السلفية الجهادية، كما تمثلت في تنظيمي داعش والقاعدة، وبين الحركات الإسلامية التقليدية مثل الإخوان المسلمين ، اختلافات بنيوية عميقة تتجاوز مجرد التباين في الوسائل إلى تباين في التصورات الفكرية والرهانات الاستراتيجية وأنماط الاشتغال التنظيمي. فالسلفية الجهادية قدمت نفسها منذ نشأتها كحركة عابرة للحدود، لا تعترف بالانتماءات القومية أو الخصوصيات الثقافية، وهو ما انعكس بوضوح في تركيبتها البشرية التي ضمت عشرات الجنسيات، وفي جهازها الإعلامي الذي اعتمد لغات متعددة لاستقطاب جمهور عالمي. هذا البعد الكوني لم يكن مجرد خيار تواصلي، بل يعكس تصورا عقديا يعتبر الأمة الإسلامية وحدة متجاوزة للدولة الوطنية، ويستدعي بالتالي تعبئة شاملة تستقطب الأفراد بغض النظر عن أصولهم أو خلفياتهم الثقافية.

في المقابل، ظلت الحركات الإسلامية التقليدية أكثر ارتباطا بسياقاتها المحلية، سواء من حيث اللغة أو من حيث طبيعة الخطاب، إذ تركز أساسا على مخاطبة المجتمع الذي تنشط فيه، مستعملة لغته وأدواته الثقافية، وهو ما يعكس إدراكا لخصوصية المجال الوطني وضرورة التفاعل معه بدل القفز عليه. ويظهر هذا الاختلاف أيضا في طبيعة العضوية، حيث تعتمد السلفية الجهادية نموذجا مفتوحا يستهدف بالخصوص الأفراد الباحثين عن هوية جديدة أو عن قطيعة جذرية مع ماضيهم، بما في ذلك المتحولون الجدد إلى الإسلام، دون اشتراط مسار تربوي طويل أو تكوين معرفي عميق. هذا الانفتاح يخدم منطق التعبئة السريعة ويسهل استقطاب عناصر من خلفيات متنوعة، لكنه في الوقت نفسه يضعف البنية التنظيمية ويجعلها أكثر هشاشة من حيث الانضباط الفكري.

على النقيض من ذلك، تقوم الحركات الإسلامية التقليدية على منطق انتقائي وتدرجي، حيث يطلب من المنخرطين المرور عبر مسارات تربوية وتنظيمية طويلة تهدف إلى بناء الالتزام الفكري والسلوكي قبل الانخراط الكامل في العمل التنظيمي. هذا الطابع النخبوي النسبي  يمنح هذه الحركات قدرا أكبر من التماسك الداخلي والاستمرارية، لكنه في المقابل يحد من قدرتها على التوسع السريع أو استقطاب الفئات الأكثر هشاشة أو تمردا

ويتجلى التباين الأعمق في طبيعة المشروع السياسي، إذ ترفض السلفية الجهادية بشكل قاطع فكرة الدولة القومية وحدودها، معتبرة إياها نتاجا استعماريا يتناقض مع التصور الإسلامي للوحدة السياسية، وتطرح بديلا يتمثل في الخلافة بوصفها كيانا عابرا للقارات. هذا التصور يقود بالضرورة إلى تبني العنف كوسيلة لإسقاط الأنظمة القائمة وإعادة تشكيل المجال السياسي. في المقابل، تتبنى الحركات الإسلامية التقليدية مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على القبول النسبي بالدولة الوطنية والعمل من داخلها، سواء عبر الإصلاح التدريجي أو المشاركة السياسية، وهو ما يعكس تحولا في فهم العلاقة بين الدين والسياسة في سياق الدولة الحديثة.

أما من حيث الجمهور المستهدف، فإن السلفية الجهادية تركز بشكل أساسي على فئات الشباب المهمش أو الذين يعيشون حالات اغتراب اجتماعي أو هوياتي، إضافة إلى الأفراد الباحثين عن معنى جذري أو قطيعة مع الواقع القائم، وهو ما يفسر قدرتها على استقطاب عناصر تعيش على هامش المجتمعات أو تعاني من أزمات هوية حادة. في المقابل، تجد الحركات الإسلامية التقليدية امتدادها الطبيعي داخل الطبقة الوسطى وبين المتعلمين، حيث تقدم خطابا يسعى إلى التوفيق بين الالتزام الديني ومتطلبات الحداثة، وتطرح نفسها كخيار إصلاحي يوازن بين الأصالة والتجديد.

وبذلك، يمكن القول إن الفوارق بين النموذجين لا تقتصر على التفاصيل التنظيمية أو التكتيكية، بل تعكس اختلافا جذريا في الرؤية إلى العالم، وفي تعريف الذات والآخر، وفي طبيعة المشروع المجتمعي المنشود، وهو ما يفسر التباين الكبير في أنماط الانتشار، ووسائل التأثير، ومستويات القبول أو الرفض داخل المجتمعات المعاصرة.

رابعا: كيف يفهم الأوروبي مبادئ السلفية الجهادية؟ 

يمكن مقاربة سؤال كيف يفهم الأوروبي مبادئ السلفية الجهادية من خلال إطار تحليلي مركب يتجاوز التفسير العقدي الصرف، ليأخذ بعين الاعتبار تداخل الأبعاد السوسيولوجية والنفسية والتواصلية. فالفهم الذي يتشكل لدى بعض الأفراد في السياق الأوروبي لا ينبع من استيعاب متين للبنية الفقهية التقليدية، بل من عملية إعادة تأويل تتم داخل شروط اجتماعية وثقافية خاصة، يطبعها الاغتراب وأزمة الهوية وتحولات المجال العام.

في هذا السياق، يبرز أولا ما يمكن تسميته بـ(التلقي خارج السياق الفقهي)، حيث تستقبل مفاهيم مركزية مثل الولاء والبراء والحاكمية في صيغ مبسطة ومجتزأة، منفصلة عن سياقاتها التاريخية والجدلية المعقدة. فبدلا من فهمها ضمن تراث فكري غني ومتشعب، كما هو الحال في الكتابات الكلاسيكية، تعاد صياغتها كأدوات معيارية ثنائية حادة (نحن/هم، إيمان/كفر)، مما يحولها من أطروحات لاهوتية إلى شعارات أيديولوجية قابلة للتعبئة. هذه العملية من الاقتطاع المعرفي تسهم في إنتاج فهم اختزالي يسهل تداوله واستثماره دعائيا.

ثانيا، يتصل هذا الفهم بسياق أوسع من التحولات القيمية التي تعرفها المجتمعات الأوروبية المعاصرة، والتي توصف في الأدبيات السوسيولوجية بحالة السيولة. في ظل هذا الوضع، يعاني بعض الأفراد من تفكك المرجعيات وفقدان المعنى، ما يجعلهم أكثر قابلية للانجذاب نحو أنساق فكرية تقدم إجابات قطعية وواضحة. هنا، تظهر السلفية الجهادية في تمثلاتها الدعائية كإطار معياري صارم يقدم تمييزات حادة بين الحلال والحرام، والحق والباطل، ويوفر يقينا وجوديا يستقبل بوصفه تحررا من الحيرة أكثر من كونه تشددا.

ثالثا، لا تفهم هذه المبادئ دائما في بعدها الديني التقليدي، بل تتحول لدى بعض المتلقين إلى أداة للاحتجاج الوجودي والسياسي. فبالنسبة لفئات تعاني من التهميش أو الإقصاء، أو تشعر بفشل نماذج الاندماج، يتم تأويل مفاهيم مثل الحاكمية بوصفها رفضا جذريا للشرعية السياسية والاجتماعية القائمة، وليس فقط تعبيرا عن أطروحة لاهوتية في السيادة. وبهذا المعنى، تنتقل السلفية الجهادية من كونها خطابا دينيا إلى كونها إطارا رمزيا للتمرد والقطيعة.

رابعا، لعبت التنظيمات الجهادية المعاصرة دورا حاسما في إعادة تأطير هذه المفاهيم وتبسيطها ضمن سرديات عابرة للحدود، عبر استخدام مكثف للوسائط الرقمية متعددة اللغات. هذا الخطاب لا يهدف إلى تقديم معرفة فقهية معمقة، بقدر ما يسعى إلى بناء هوية قتالية قائمة على عناصر سردية محددة، من قبيل المظلومية العالمية، وثنائية الضحية/المنتقم، ووعد الخلاص الفردي والجماعي. ومن خلال هذه الآليات، يتم تحويل المفاهيم الدينية إلى أدوات تعبئة رمزية ذات طابع عاطفي قوي.

خامسا، تتجلى عملية إعادة التوظيف الأيديولوجي للنصوص في الكيفية التي يعاد بها قراءة التراث الإسلامي. إذ لا يتم التعامل مع النصوص الكلاسيكية بوصفها نتاجا تاريخيا يحتاج إلى فهم سياقي ونقدي، بل تستدعى بشكل انتقائي لإضفاء الشرعية على مواقف معاصرة. في هذا الإطار، يتحول التراث إلى ما يشبه "مانيفستو ثوري" يستخدم لتبرير القطيعة مع المجتمع وإضفاء معنى كوني على الفعل الاحتجاجي.

سادسا، لا يمكن إغفال العامل النفسي الهوياتي في تفسير هذا النمط من الفهم. إذ تشير دراسات عديدة إلى أن الانجذاب إلى هذا الخطاب لا يرتبط بالضرورة بعمق المعرفة الدينية، بل بعوامل مثل أزمة الهوية، والشعور بالتهميش، والرغبة في الانتماء إلى جماعة متماسكة، والبحث عن معنى بطولي للحياة. في هذا السياق، توفر السلفية الجهادية هوية جاهزة تتسم بالوضوح والانضباط، وتمنح الفرد إحساسا بالقيمة والرسالة.

وعليه، يمكن القول إن فهم الأوروبي لمبادئ السلفية الجهادية هو فهم معاد الإنتاج، يتشكل عند تقاطع ثلاث ديناميات رئيسية: تبسيط أيديولوجي للمفاهيم الدينية، واستجابة نفسية لأزمة المعنى والانتماء، وتأثير قوي لخطاب دعائي عابر للحدود يعيد تأطير التراث ويحوله إلى أداة للتمرد. وبذلك، فإن جاذبية هذا الخطاب لا تكمن في بنيته العقدية الأصلية، بقدر ما تكمن في قدرته بعد إعادة تشكيله على ملء فراغ وجودي وتقديم سردية بديلة قوية داخل سياقات اجتماعية مأزومة. 

خاتمة:

إن نجاح السلفية الجهادية في اختراق الأوساط الغربية يكمن في قدرتها على (عولمة) خطابها وتجريده من الخصوصيات الثقافية المحلية. بينما تظل الحركات الإسلامية التقليدية مرتبطة بأجندات وطنية أو ثقافية معينة، استطاعت الجهادية العالمية بناء مجتمع متخيل يجمع بين الشاب الفرنسي والمهاجر العربي والمتحول الألماني وجنسيات متنوعة تحت راية واحدة ولغة بروباغندا موحدة. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب فهما يتجاوز الأمن ليشمل معالجة أزمات الهوية والاندماج في المجتمعات الغربية.

المراجع

1.من نقاشات الباحث مع المعتقل الفرنسي روبير ريشارد في السجون المغربية.

معهد هدسون :التهديد الجهادي في فرنسا 2 

 3.اوليفييه روا الجهاد والموت

4.السلفية الجهادية بوصفها أيديولوجية دينية - المركز العربي لدراسات التطرف.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك