الدرهم تحت الضغط وتصاعد المديونية يضع الاقتصاد المغربي أمام اختبار التوازنات الكبرى

الدرهم تحت الضغط وتصاعد المديونية يضع الاقتصاد المغربي أمام اختبار التوازنات الكبرى
تقارير / السبت 28 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:هيئة التحرير

تشهد المؤشرات المالية في المغرب خلال سنة 2026 تطورات دقيقة تعكس وضعًا اقتصاديًا مركبًا، حيث سجل سعر صرف الدرهم تراجعًا طفيفًا أمام العملات الرئيسية، إذ انخفض أمام اليورو بنسبة تقارب 1,8%، وأمام الدولار بحوالي 2,3%، وهو ما يعكس تأثيرات مباشرة للتقلبات العالمية وارتفاع الطلب على العملات الصعبة في سياق اقتصادي دولي غير مستقر.

هذا التراجع في قيمة العملة الوطنية يتزامن مع ارتفاع ملحوظ في حجم الدين العمومي، حيث تشير التقديرات إلى بلوغ دين الخزينة ما يقارب 1.080 مليار درهم خلال 2026، مقابل حوالي 1.020 مليار درهم في 2025، أي بزيادة تناهز 60 مليار درهم، وهو ما يضع نسبة الدين إلى الناتج الداخلي الخام عند حدود 72%، مقارنة بـ 70% في السنة الماضية، ما يعكس منحى تصاعديًا يتطلب يقظة مالية أكبر.

كما أن كلفة خدمة الدين بدورها عرفت ارتفاعًا مقلقًا، حيث تجاوزت 38 مليار درهم سنويًا، نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا وتشديد شروط التمويل في الأسواق الدولية، وهو ما يحد من هامش المناورة لدى الحكومة ويجعل جزءًا مهمًا من الميزانية موجهًا لسداد الديون بدل تمويل الاستثمارات العمومية والبرامج الاجتماعية.

في المقابل، تحاول الحكومة الحفاظ على توازنات الماكرو-اقتصاد من خلال ضبط عجز الميزانية في حدود 4,5%، مع العمل على تنويع مصادر التمويل عبر اللجوء إلى السوق الداخلية والخارجية، غير أن هذا التوجه يظل محفوفًا بالمخاطر في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية.

وتشير المعطيات كذلك إلى أن احتياطي العملة الصعبة يظل في مستوى مريح نسبيًا، حيث يغطي حوالي 5 أشهر من الواردات، غير أن هذا الهامش قد يتقلص في حال استمرار ارتفاع فاتورة الاستيراد، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والحبوب، وهو ما يجعل استقرار الدرهم مرتبطًا بشكل وثيق بتطورات السوق الدولية.

في هذا السياق، يبرز التحدي الكبير المرتبط بالحفاظ على ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، حيث يسعى المغرب إلى تقديم صورة اقتصاد قادر على الوفاء بالتزاماته رغم الصعوبات، وهو ما يفسر استمرار الإصلاحات المرتبطة بالمالية العمومية وتحسين مناخ الأعمال.

غير أن هذه الجهود تصطدم بواقع داخلي يتسم بارتفاع الطلب الاجتماعي، حيث تزداد الحاجة إلى توجيه موارد إضافية لقطاعات الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي، وهو ما يخلق ضغطًا مزدوجًا بين متطلبات الاستقرار المالي وانتظارات المواطنين المتزايدة.

كما أن تراجع قيمة الدرهم، رغم كونه محدودًا، ينعكس على القدرة الشرائية من خلال ارتفاع كلفة الواردات، خاصة المنتجات الطاقية والغذائية، وهو ما يساهم في تغذية التضخم الداخلي ويزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن هذا التراجع قد يحمل جانبًا إيجابيًا محدودًا، من خلال دعم تنافسية الصادرات المغربية، خصوصًا في قطاعات مثل الفلاحة والصناعة، غير أن هذا الأثر يبقى مشروطًا بقدرة هذه القطاعات على الاستفادة الفعلية من تحسن الأسعار في الأسواق الخارجية.

وتبقى المعضلة الأساسية في كيفية تحقيق التوازن بين التحكم في الدين العمومي وضمان استمرارية الاستثمار العمومي، خاصة في ظل مشاريع كبرى تراهن عليها الدولة لتعزيز النمو وخلق فرص الشغل، وهو ما يتطلب تدبيرًا ماليًا دقيقًا واستشرافًا بعيد المدى.

في المحصلة، تعكس الأرقام الحالية وضعًا اقتصاديًا يحتاج إلى حذر كبير في التدبير، حيث لم يعد هامش الخطأ متاحًا كما في السابق، بل أصبح كل قرار مالي أو نقدي له تأثير مباشر على استقرار الاقتصاد الوطني، في مرحلة تتطلب وضوح الرؤية وجرأة الإصلاح في آن واحد.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك