أنتلجنسيا:أبو فراس
في اعتراف صريح بحجم الاختناق الذي يهدد الدورة المالية، كشف عبد اللطيف الجواهري أن البنك المركزي يدفع نحو تسريع إنشاء سوق موازية لتداول الديون المتعثرة، في محاولة لفك الحصار عن سيولة الأبناك وإعادة ضخها في شرايين الاقتصاد، بعدما تجاوزت هذه الديون مستويات ثقيلة مع نهاية 2025.
المعطيات الرسمية تبرز أن نسبة التعثر داخل المنظومة البنكية بلغت مستويات مقلقة مقارنة بالمعايير الدولية، وهو ما يعكس تراكم اختلالات عميقة في منح القروض وتتبعها، ويطرح تساؤلات حول فعالية آليات التقييم والمراقبة. هذا الواقع جعل جزءاً مهماً من الموارد المالية مجمداً داخل دفاتر الأبناك، غير قابل للتدوير، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى تمويل أكبر لمواجهة التحديات.
الخيار الذي يتم الدفع به اليوم يقوم على خلق سوق ثانوية تُباع فيها هذه الديون لمستثمرين أو مؤسسات متخصصة، وهو ما يُقدَّم كحل تقني لتحرير الرساميل، لكنه في العمق يثير نقاشاً حساساً حول تحويل الديون من علاقة مباشرة بين البنك والزبون إلى سلعة قابلة للتداول، قد تنتقل إلى جهات أكثر تشدداً في التحصيل.
هذا التوجه يرتكز على إعداد إطار قانوني جديد ينظم عملية نقل هذه القروض المتعثرة، مع وعود بتبسيط المساطر وضمان انتقال الضمانات بشكل تلقائي، إلى جانب الحفاظ على حقوق المعنيين وحماية معطياتهم. غير أن القراءة النقدية ترى أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام ما يشبه “سوق المضاربة في الديون”، حيث تتحول معاناة المقترضين إلى فرص استثمارية.
في موازاة ذلك، جرى تشديد قواعد تصنيف القروض، عبر إدخال فئات جديدة أكثر دقة، وتوسيع تعريف حالات التعثر، إضافة إلى فرض شروط أكثر صرامة على إعادة جدولة الديون. هذه الإجراءات تهدف، وفق الخطاب الرسمي، إلى تعزيز الشفافية والانضباط، لكنها قد تؤدي عملياً إلى تضييق هامش المناورة أمام المقاولات والأفراد الذين يواجهون صعوبات مالية.
الرهان الكبير في هذا الورش يتمثل أيضاً في رقمنة مساطر التحصيل، من خلال تطوير أدوات رقمية ومنصات للمزاد العلني، لتسريع معالجة الملفات وتقليص الزمن القضائي، في تنسيق مع وزارة العدل المغربية. غير أن هذا التحول الرقمي، رغم أهميته، يظل تقنياً في جوهره، ولا يلامس جوهر الإشكال المرتبط بتزايد العجز عن السداد.
وفي خلفية هذا النقاش، برزت إكراهات حقيقية تعاني منها المحاكم التجارية، من صعوبة تحديد المبالغ المستحقة بدقة، إلى تعقيدات إثبات الديون، وتفاوت طرق احتساب الفوائد، ما يعكس هشاشة المنظومة القانونية المؤطرة لهذا المجال. وهو ما دفع فاعلين قضائيين إلى الدعوة لإصلاحات أعمق تشمل التشريع والممارسة القضائية معاً.
التحليل السياسي لهذا التحول يرى أن ما يجري ليس مجرد إصلاح تقني، بل إعادة تشكيل لعلاقة القوة بين الأبناك والزبناء، حيث يتم نقل عبء الأزمة من المؤسسات المالية إلى الأفراد بشكل غير مباشر. فبدل معالجة جذور التعثر المرتبطة بالوضع الاقتصادي، يتم البحث عن آليات لتدوير الخسائر وتخفيف الضغط عن الأبناك.
في النهاية، يقف المغرب أمام مفترق طرق حاسم: إما تحويل هذا الورش إلى فرصة لإصلاح عادل ومتوازن يعيد الثقة في النظام المالي، أو الانزلاق نحو نموذج يجعل من الديون المتعثرة مجرد سلعة في سوق مفتوحة، حيث يصبح الضعفاء الحلقة الأسهل في معادلة الربح والخسارة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك