أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
لم تعد موجات الغلاء في المغرب مرتبطة فقط بأسعار الخضر والفواكه أو تقلبات الأسواق الموسمية، بل بدأت ملامح أزمة أعمق تتشكل في صمت داخل بنية الاقتصاد، حيث كشفت المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لشهر فبراير 2026 عن تحول نوعي في طبيعة التضخم، عنوانه الأبرز صعود تكاليف الخدمات بشكل مقلق.
فقد سجل الرقم الاستدلالي العام للأثمان عند الاستهلاك ارتفاعاً شهرياً بنسبة 0,5%، لكن ما يثير الانتباه فعلاً هو الارتفاع المتواصل في قطاعات غير غذائية كانت تُعتبر مستقرة، وعلى رأسها السلع والخدمات المتنوعة التي قفزت سنوياً بنسبة 3,8%.
هذا التحول يعكس انتقال مركز الضغط من المواد الغذائية المرتبطة بالعوامل المناخية إلى مجالات أكثر تعقيداً واستدامة، حيث لم يعد ارتفاع أسعار اللحوم أو الأسماك هو الخطر الأكبر، رغم تسجيل زيادات بـ1,6% و4,5% على التوالي، بل أصبح المشكل الحقيقي يكمن في الارتفاع الهيكلي لتكاليف الخدمات التي لا تتراجع بسهولة.
في هذا السياق، يحذر الباحث في الاقتصاد السياسي محمد زهورن من أن ما يحدث هو “تضخم صلب” يصعب التحكم فيه، بخلاف التضخم المرتبط بالغذاء الذي يمكن أن ينخفض مع تحسن المواسم الفلاحية.
ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف التعليم والمطاعم والفنادق بنسبة 2,1% سنوياً يرسخ نمطاً معيشياً مرتفع الكلفة يصعب التراجع عنه، حتى مع انخفاض بعض المواد مثل الزيوت والدهنيات التي سجلت تراجعاً بـ2,2%.
المعطيات تكشف أيضاً عن بروز ما يسمى بالتضخم الكامن، الذي استقر عند ارتفاع شهري بـ0,2%، وهو مؤشر خطير يدل على أن الضغوط الحقيقية لم تعد سطحية أو ظرفية، بل أصبحت متغلغلة في عمق الاقتصاد، خاصة في قطاع الخدمات الذي يشكل العمود الفقري للاستهلاك اليومي للأسر.
اللافت كذلك هو التفاوت المجالي الحاد، حيث سجلت مدن مثل وجدة وطنجة ارتفاعات قوية بلغت 1,4%، في مقابل تراجعات طفيفة في مدن أخرى مثل آسفي والرشيدية، ما يعكس غياب توازن اقتصادي واضح بين الجهات ويعمق الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ورغم تسجيل انخفاض سنوي في مؤشر النقل بنسبة 2,7%، فإن الواقع الشهري يكشف عن استمرار الضغط، خاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات بـ3,1% خلال شهر واحد، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والخدمات المرتبطة به، ويجعل الاقتصاد الوطني رهينة للتقلبات الدولية.
القراءة العميقة لهذه الأرقام تؤكد أن المعركة الحقيقية ضد الغلاء لم تعد تُخاض فقط في الأسواق التقليدية، بل انتقلت إلى جبهة أكثر تعقيداً تتمثل في الخدمات والسلع الهيكلية، التي تلتهم تدريجياً الجزء الأكبر من ميزانيات الأسر المغربية.
هذا التحول يفرض على صناع القرار إعادة التفكير في أدوات المواجهة، لأن الاكتفاء بمراقبة أسعار المواد الاستهلاكية لم يعد كافياً أمام تضخم يتسلل بصمت لكنه يضرب بقوة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك