أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل
تشهد المغرب وضعا اقتصاديا واجتماعيا
مركبا تتداخل فيه مؤشرات البطالة مع هشاشة سوق الشغل بشكل يثير القلق، حيث لم تعد
الأزمة مجرد أرقام جامدة بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه ملايين المغاربة، خاصة
الشباب الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين طموحات مشروعة وفرص شبه منعدمة، ما يخلق
حالة من الاحتقان الصامت الذي يتسع تدريجيا داخل المجتمع.
الأرقام المتداولة تكشف أن معدل
البطالة استقر في حدود 13%، وهو رقم يخفي وراءه اختلالات أعمق، إذ يتجاوز عدد
العاطلين 1.6 مليون شخص، في وقت لا يواكب فيه الاقتصاد الوطني هذا الضغط المتزايد
على سوق الشغل، مما يجعل الفجوة بين العرض والطلب تتسع بشكل مستمر ويزيد من تعقيد
المشهد العام.
الفئة الأكثر تضررا تظل فئة الشباب،
حيث تقف نسبة البطالة في صفوفهم عند مستويات مرتفعة تتجاوز 37%، وهو ما يعني أن
أكثر من ثلث هذه الفئة خارج الدورة الاقتصادية، الأمر الذي لا يؤثر فقط على دخلهم
الفردي بل ينعكس أيضا على حيويتهم الاجتماعية ونظرتهم للمستقبل، حيث يتحول
الانتظار الطويل إلى شعور بالإقصاء وفقدان الأمل.
ولا يختلف وضع النساء كثيرا، بل يبدو
أكثر هشاشة، إذ تسجل معدلات بطالة مرتفعة خاصة في صفوف الحاصلات على شهادات، ما
يكشف مفارقة مؤلمة تتمثل في أن التعليم، الذي يفترض أن يكون بوابة للاندماج، أصبح
في كثير من الأحيان طريقا إلى الانتظار الطويل دون أفق واضح، وهو ما يطرح تساؤلات
حول فعالية السياسات التعليمية والاقتصادية معا.
في مقابل هذا الوضع، يعاني النسيج
المقاولاتي من اهتزازات متواصلة، حيث تواجه العديد من المقاولات الكبرى صعوبات
مالية حادة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى
تقليص أنشطتها أو إغلاقها بشكل نهائي، وهو ما ينعكس مباشرة على فقدان مناصب الشغل
وتسريح العمال في سلسلة لا تنتهي من التداعيات.
كما أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة
لم تسلم من هذه الأزمة، بل كانت الأكثر تأثرا، إذ تعاني من ضعف التمويل وصعوبة
الولوج إلى الأسواق، إضافة إلى منافسة غير متكافئة، ما يجعل نسبة مهمة منها تعجز
عن الاستمرار وتضطر إلى الإغلاق، فيتحول أصحابها من فاعلين اقتصاديين إلى عاطلين
جدد داخل سوق مشبع أصلا.
أما نظام المقاول الذاتي، الذي تم
تقديمه كحل مبتكر لامتصاص البطالة، فقد أبان بدوره عن محدوديته، حيث اصطدم عدد
كبير من المستفيدين بواقع صعب يتمثل في غياب الطلب وضعف المداخيل، ما أدى إلى توقف
العديد من الأنشطة في صمت، دون أن تجد هذه الفئة أي دعم فعلي يضمن لها الاستمرارية.
هذا الوضع الاقتصادي ينعكس بشكل مباشر
على السلم الاجتماعي، حيث تتزايد مظاهر الهشاشة ويشعر المواطن بضغط متزايد نتيجة
ارتفاع تكاليف المعيشة مقابل دخل محدود أو منعدم، وهو ما يخلق نوعا من الاحتقان
الذي لا يظهر دائما في الشارع لكنه يتراكم في العمق ويؤثر على استقرار المجتمع.
كما أن التفاوتات الاجتماعية تتسع
بشكل لافت، حيث تجد فئات محدودة تستفيد من الدينامية الاقتصادية، في مقابل اتساع
قاعدة الفئات الهشة التي تكافح من أجل تلبية أبسط الحاجيات، وهو ما يطرح تحديا
حقيقيا أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن داخل المجتمع.
ومن أبرز انعكاسات هذه الأزمة، التغير
الواضح في بنية الأسرة المغربية، حيث ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها النساء، في
مؤشر على تحولات اجتماعية فرضتها الظروف الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يعكس
هشاشة متزايدة داخل النسيج الأسري التقليدي.
كما برزت ظاهرة العيش الفردي بشكل
متزايد، خاصة في المدن الكبرى، حيث يجد عدد متزايد من الأفراد أنفسهم خارج إطار الأسرة
التقليدية، إما بسبب الظروف الاقتصادية أو نتيجة تغيرات ثقافية، وهو ما يعيد تشكيل
ملامح المجتمع بشكل تدريجي.
أما الزواج، فقد أصبح من أبرز ضحايا
هذه الأزمة، حيث تراجع الإقبال عليه بشكل واضح وارتفع سن الزواج، نتيجة العجز عن
توفير شروط الاستقرار من سكن وعمل ودخل قار، ما يجعل فكرة تأسيس أسرة مؤجلة إلى
أجل غير محدد لدى فئة واسعة من الشباب.
هذا التراجع لا يعكس فقط أزمة
اقتصادية، بل يشير أيضا إلى تحول عميق في القيم الاجتماعية، حيث لم يعد الزواج
أولوية لدى البعض بقدر ما أصبح رهينا بإمكانيات مادية صعبة التحقيق في ظل الوضع
الحالي.
كما أن غياب الاستقرار المهني يساهم
في تعميق هذا الوضع، إذ يجد الشباب أنفسهم في وظائف مؤقتة أو غير مهيكلة لا توفر
أي ضمانات، ما يجعلهم يعيشون حالة من عدم اليقين الدائم، ويؤثر بشكل مباشر على
قراراتهم الحياتية الكبرى.
المشهد العام يكشف أن المغرب يواجه
تحديا مركبا يتجاوز مجرد أرقام البطالة، ليشمل إعادة بناء منظومة اقتصادية
واجتماعية قادرة على خلق فرص حقيقية وتحقيق توازن مستدام، قبل أن تتحول هذه
المؤشرات المتراكمة إلى أزمة أعمق تهدد استقرار المجتمع على المدى البعيد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك