أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
من قلب المشهد القضائي والأمني المتشابك، خرج وزير العدل العراقي خالد شواني برسالة حاسمة مفادها أن العراق لن يعدّل بوصلته القانونية لإرضاء اعتراضات خارجية، مؤكداً أن التشريعات النافذة في بغداد كافية لمحاكمة آلاف الموقوفين الذين جرى نقلهم مؤخراً من سوريا، حتى وإن كانوا يحملون جنسيات أوروبية.
التصريح لم يترك مساحة للالتباس: من يعترض على عقوبة الإعدام المعمول بها في العراق، فليتسلم رعاياه ويحاكمهم على أراضيه. بهذه الصيغة المباشرة، نقل شواني النقاش من دائرة الجدل الحقوقي إلى مربع السيادة القانونية، واضعاً الحكومات الأوروبية أمام خيارين واضحين؛ إما القبول بإجراءات القضاء العراقي كما هي، أو تحمل عبء الاسترداد والمحاكمة داخل أوروبا.
الوزير أشار أيضاً إلى أن الولايات المتحدة وافقت على تغطية تكاليف المعتقلين الذين تم نقلهم حديثاً، في إشارة إلى تفاهمات مالية ولوجستية تمت مع التحالف الدولي، مضيفاً أن وزارة العدل العراقية أرسلت بالفعل فاتورة بالحسابات إلى هذا التحالف، في خطوة تعكس تعاملاً مؤسساتياً مع الملف، بعيداً عن أي مقاربة مجانية أو رمزية.
سياسياً، يكشف هذا الموقف عن تشدد عراقي متصاعد في إدارة ملف المعتقلين المرتبطين بملفات الإرهاب والصراع في سوريا، ورفض واضح لتحويل العراق إلى ساحة احتجاز طويلة الأمد بلا مقابل أو بلا اعتراف كامل بسلطته القضائية. فبغداد، التي دفعت أثماناً باهظة في حربها ضد تنظيمات متطرفة، ترى في هذه المحاكمات امتداداً لمعركتها السيادية، لا مجرد إجراء قانوني قابل للتفاوض.
في المقابل، تجد بعض العواصم الأوروبية نفسها في مأزق مزدوج: فمن جهة، ترفض عقوبة الإعدام لأسباب قانونية وحقوقية داخلية، ومن جهة أخرى تتحفظ على استعادة مواطنيها المتورطين في قضايا أمنية معقدة. وبين هذين الحدّين، يضع العراق الكرة في ملعبها بوضوح غير مسبوق.
أما موافقة واشنطن على تحمّل التكاليف، فتعكس إدراكاً أميركياً لحساسية الملف ولحجم العبء الذي تتحمله بغداد، لكنها في الوقت نفسه تفتح باب التساؤل حول حدود هذا الدعم ومدته، وهل هو حل ظرفي أم جزء من ترتيبات أوسع لإعادة توزيع أعباء ما بعد الحرب في المنطقة.
في المحصلة، لا يبدو أن العراق مستعد لتخفيف لهجته أو تعديل منظومته القانونية تحت ضغط خارجي. الرسالة السياسية التي حملها وزير العدل واضحة: السيادة القضائية خط أحمر، ومن لا يرضيه مسار المحاكمات في بغداد، فليتحمل مسؤوليته كاملة خارجها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك