أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
في المخيمات المكتظة جنوب بنغلاديش، حيث يعيش أكثر من مليون لاجئ من أقلية الروهينجا الفارّين من العنف في ميانمار منذ عام 2017، يتجاوز الجدل حدود الغذاء والمأوى ليصل إلى سؤال أكثر حساسية: هل تتحول المساعدات الإنسانية إلى بوابة تأثير ديني في واحدة من أكثر البيئات هشاشة في العالم؟
تقارير وشهادات متداولة تتحدث عن أنشطة توصف بـ«التنصير الناعم» داخل المخيمات، حيث يُقال إن بعض الجهات الإغاثية، بينها منظمات ذات خلفيات كنسية، تقدم برامج تعليمية وإنسانية تتضمن مضامين دينية، مثل دروس لغة إنجليزية تحتوي نصوصًا مسيحية، وأنشطة تواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل ووعودًا بمساعدات إضافية أو فرص توطين في الخارج. في المقابل، تنفي منظمات إنجيلية دولية مثل World Vision وSamaritan's Purse ممارسة أي تبشير قسري، وتؤكد أن تدخلاتها إنسانية بحتة، وتخضع للقوانين المحلية وللمعايير الدولية للعمل الإغاثي.
الأرقام المتداولة تعكس تصاعد الجدل. فبعد أن كان عدد المتحولين يُقدّر بنحو 150 شخصًا في 2018، تشير تقارير منشورة منتصف 2025 إلى تجاوز العدد 1300 شخص، مع تقديرات تراكمية تقارب 6 آلاف حالة بحلول 2026. ورغم أن هذه الأرقام تظل نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بإجمالي اللاجئين، فإن رمزيتها تتجاوز حجمها العددي، إذ تمسّ بنية هوية جماعة اقتُلعت من أرضها وتعيش في ظروف بالغة الهشاشة.
التحليل الراديكالي لهذا المشهد يضع السؤال الأخلاقي في الصدارة: ما حدود التداخل بين الإغاثة والتأثير الديني حين يكون المتلقي في وضع قسري؟ في بيئة يغلب عليها الفقر المدقع، وانعدام الأفق، واعتماد شبه كلي على المساعدات، يصبح أي نشاط ذي حمولة عقدية موضع اشتباه، حتى لو لم يُثبت وجود إكراه مباشر. فالعلاقة غير المتكافئة بين المانح والمتلقي تطرح إشكالية “القوة الناعمة” داخل الفضاء الإنساني.
في المقابل، يدافع أنصار المنظمات المعنية عن حق الأفراد في حرية المعتقد، معتبرين أن أي تحول ديني – إن وقع – ينبغي أن يُفهم في إطار الاختيار الشخصي، لا بوصفه نتيجة ضغط منهجي. ويشددون على أن اتهام العمل الإغاثي بالتبشير المنظم قد يُستخدم لتقييد وصول المساعدات في سياقات إنسانية معقدة، ويعرض آلاف اللاجئين لخطر تقليص الدعم الدولي.
غير أن منتقدين يرون أن المسألة لا تتعلق بحرية الاعتقاد بقدر ما تتعلق ببيئة الاختيار نفسها: هل يمكن الحديث عن “اختيار حر” في مخيمات تعاني الاكتظاظ، وانعدام فرص العمل، والاعتماد الكامل على المعونات؟ وهل تكفي النوايا المعلنة لتبديد مخاوف مجتمع يعيش صدمة الإبادة والاقتلاع؟
بين الاتهام والنفي، تتكشف معركة سرديات تتجاوز حدود المخيمات. إنها مواجهة بين خطاب إنساني عالمي يرفع شعار الخدمة دون تمييز، وخطاب مجتمعي يخشى أن تتحول الهشاشة إلى منفذ لإعادة تشكيل الهوية. وفي قلب هذا الاشتباك، يقف اللاجئ الروهينجي مثقلاً بذاكرة العنف وقلق المستقبل، فيما تتنازع حوله أسئلة الإيمان، والسيادة الثقافية، وأخلاقيات العمل الإنساني في زمن الأزمات الكبرى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك