الصحة تُباع بالتقسيط ولوبي المصحات يبتلع التأمين والحكومة تتفرج على انهيار المستشفى العمومي

الصحة تُباع بالتقسيط ولوبي المصحات يبتلع التأمين والحكومة تتفرج على انهيار المستشفى العمومي
تقارير / الخميس 29 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

بين صمت حكومي ثقيل وتمدد بلا كوابح للقطاع الصحي الخاص، يكشف تقرير جديد للمجلس الأعلى للحسابات عن واقع صادم يُعيد رسم خريطة الصحة في المغرب على مقاس المال لا المرفق العمومي. الأرقام الواردة في التقرير السنوي برسم 2024-2025 لا تترك مجالاً للتأويل: منظومة التأمين الصحي تحولت عملياً إلى خزّان تمويل مفتوح لفائدة المصحات والعيادات الخاصة، فيما تُدفع المستشفيات العمومية إلى الهامش بلا موارد ولا قدرة على المنافسة.

خلال سنة واحدة فقط، استحوذ القطاع الصحي الخاص على 91 في المائة من مجموع نفقات التأمين الصحي المفوترة، تاركاً للقطاع العام فتات 9 في المائة. الصورة أكثر قتامة عند تفكيك المعطيات؛ إذ تبتلع المصحات الخاصة ما يقارب كل نفقات التأمين الموجهة لأجراء القطاع الخاص وللعمال غير الأجراء، وتسيطر على أغلب تعويضات “كنوبس” و”أمو تضامن”، في مشهد يُجسد اختلالاً بنيوياً لم يعد خافياً ولا قابلاً للتبرير.

هذا التوسع المالي الجارف لا يحدث دون ثمن. التقرير يُحذر من أن هيمنة القطاع الخاص تُغذي الارتفاع المتواصل لتكلفة العلاج، وتُفرغ المستشفى العمومي من قدرته على الاستثمار والتجديد وتحسين الجودة. وفي الوقت الذي تُضخ فيه مليارات الدراهم سنوياً في حسابات المصحات، تجد أنظمة التأمين نفسها أمام اختناق مالي حاد، بفعل تسارع التعويضات بوتيرة تفوق بكثير نمو الاشتراكات، ما أدى إلى تسجيل عجز مقلق في الأرصدة التقنية والإجمالية لعدة أنظمة.

القطاع الخاص لا يهيمن فقط على الفوترة، بل يستقطب أيضاً حوالي نصف أطباء المغرب، ويستحوذ على النصيب الأكبر من التعويضات، سواء تلك المرتبطة بأجراء القطاع الخاص أو بموظفي الدولة. في المقابل، تشهد الأنظمة الجديدة توسعاً سريعاً في النفقات، حيث تضاعفت مصاريف بعض البرامج في ظرف سنتين، لتصل إلى مستويات تُنذر بفقدان التوازن المالي في غياب تدخل حازم.

إجمالي نفقات خدمات التأمين الصحي قفز إلى ما يقارب 25 مليار درهم سنة 2024، بزيادة مهولة مقارنة بسنة 2022، فيما تتركز أكبر المصاريف في الأدوية والجراحات الثقيلة والعلاجات المزمنة. ورغم هذا السيل من الإنفاق، لا يزال المواطن يؤدي جزءاً كبيراً من جيبه، إذ يتحمل في المتوسط أكثر من ثلث الكلفة، وترتفع النسبة إلى ما يقارب النصف في حالة الأمراض المزمنة، ما يحوّل “التغطية الصحية” إلى وعد ناقص.

التقرير يضع الإصبع على الجرح: استمرار هذا الوضع يعني إفقاراً ممنهجاً للمؤسسات العمومية، وتجفيفاً لمواردها، ودفعها للاعتماد شبه الكلي على ميزانية الدولة، بما يضعف أدائها ويُفقدها الجاذبية. وبينما يُطالب المجلس بتسريع إصلاح المستشفى العمومي وتحسين جودة الولوج للعلاج، يبقى السؤال السياسي معلقاً: إلى متى ستستمر الحكومة في غض الطرف عن تغول لوبي المصحات، بينما تُترك الصحة العمومية لمصيرها، ويُدفع المواطن ثمن اختلالات لم يكن طرفاً في صنعها؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك