أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
وضع معطيات جديدة حول حصيلة الرقابة البرلمانية خلال الولاية التشريعية 2021-2026 علامات استفهام بشأن مدى التزام الحكومة بتوضيح مصير التعهدات التي يقدمها أعضاؤها خلال جلسات الأسئلة الشفهية، بعدما تبين أن غالبية هذه الالتزامات لم تحظ بأجوبة منشورة توضح ما انتهت إليه، وفق ما أورده المعهد المغربي لتحليل السياسات في ورقة بحثية تناولت اختلالات آليات المساءلة داخل مجلس النواب.
وأحصت الورقة، الصادرة تحت عنوان «المساءلة غير المكتملة: اختلالات جلسات الأسئلة الشفهية بمجلس النواب»، ما مجموعه 1339 تعهداً حكومياً جرى تسجيله خلال الولاية التشريعية المنتهية، غير أن المعطيات المتاحة إلى نهاية أكتوبر 2026 لم تتضمن سوى 534 جواباً منشوراً بشأن مآل تلك الالتزامات.
وتبرز الأرقام حجم الفجوة في متابعة التعهدات، إذ بقي 805 التزامات من دون توثيق منشور يوضح مصيرها، وهو ما يمثل حوالي 60 في المائة من مجموع التعهدات المسجلة، الأمر الذي يثير إشكالية استمرارية الرقابة بعد انتهاء النقاشات الأسبوعية داخل المؤسسة التشريعية.
وتشدد الدراسة على ضرورة التمييز بين نشر جواب حكومي بشأن مآل التعهد وبين التأكد من تنفيذه على أرض الواقع، موضحة أن توفر معلومات حول مصير الالتزام لا يشكل دليلاً تلقائياً على إنجازه، كما أن نشر الأجوبة وحده لا يسمح بقياس الأثر الفعلي للوعود التي يقدمها الوزراء أمام النواب.
وتكشف المقارنة بين سنوات الولاية التشريعية أن وتيرة الإجابة عن التعهدات لم تسجل تحسناً متواصلاً، إذ ارتفعت النسبة من 29 في المائة خلال السنة الأولى إلى 37 في المائة في السنة الثانية، ثم بلغت 52 في المائة خلال السنة الثالثة، قبل أن تنخفض إلى 43 في المائة في السنة الرابعة، وتستقر عند 37 في المائة خلال السنة الخامسة.
وتضع هذه المؤشرات مرحلة ما بعد المساءلة ضمن أبرز مواطن القصور التي رصدها المعهد، باعتبار أن الدور الرقابي للبرلمان لا يكتمل بمجرد توجيه الأسئلة واستقبال ردود أعضاء الحكومة، بل يتطلب نظاماً مستمراً لتتبع الالتزامات وتوثيق مستوى تنفيذها ونشر النتائج بما يتيح للنواب والرأي العام تقييم مدى الوفاء بها.
وفي ما يتعلق بتوزيع النشاط الرقابي على القطاعات الحكومية، سجلت الورقة تركيزاً واضحاً للتدخلات في أربعة مجالات رئيسية، هي التجهيز والماء، والفلاحة والتنمية القروية، والتربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، والصحة والحماية الاجتماعية، بعدما استحوذت مجتمعة على 2812 تدخلاً من أصل 9609 تدخلات قطاعية، بنسبة بلغت 29.3 في المائة.
وعلى النقيض من ذلك، أظهرت المعطيات تفاوتاً في حجم الاهتمام بباقي القطاعات، حيث لم يتجاوز عدد التدخلات المرتبطة بالشؤون الخارجية 51 تدخلاً، مقابل 131 تدخلاً في مجال الصيد البحري، و175 في قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، و184 تدخلاً بشأن العلاقات مع البرلمان، و192 تدخلاً متعلقاً بالأوقاف والشؤون الإسلامية.
وتستند نتائج الورقة إلى تحليل 125 جلسة أسبوعية، أفضى إلى رصد ارتفاع في حجم النشاط البرلماني خلال الولاية 2021-2026، إذ انتقل مجموع التدخلات من 7124 خلال الولاية السابقة الممتدة بين 2016 و2021 إلى 10354 تدخلاً خلال الولاية الأخيرة، دون أن يقترن هذا التطور بتحسن مماثل في تنظيم المشاركة أو توثيق النتائج أو ضمان متابعة الالتزامات الحكومية.
كما سجلت الدراسة ارتفاعاً لافتاً في عدد نقاط النظام، التي انتقلت من 291 إلى 711 نقطة، في مقابل تراجع الإحاطات المتعلقة بموضوع طارئ من 147 إلى 34 إحاطة، وهي مؤشرات تدفع إلى إعادة النظر في كيفية تقييم الأداء الرقابي، إذ لا يعكس تضاعف التدخلات بالضرورة ارتفاعاً في فعاليتها ما لم تتوفر آليات واضحة لقياس نتائجها ومتابعة آثارها.
وتربط الورقة جانباً من هذا الخلل بالإطار التنظيمي المعمول به داخل مجلس النواب، ولا سيما المادة 301 من نظامه الداخلي، التي تنص على أنه «يمكن للحكومة الإجابة عن مآل التعهدات»، وهي صياغة تترك تقديم هذه الأجوبة في نطاق الإمكانية ولا تفرضه باعتباره التزاماً واجباً على أعضاء الحكومة.
وتعيد هذه الملاحظة النقاش إلى مسألة الضمانات المؤسساتية التي يفترض أن تحول التعهدات المعلنة خلال الجلسات البرلمانية إلى التزامات قابلة للمراقبة والتقييم، خصوصاً في ظل غياب توثيق منشور لمصير نسبة كبيرة منها، وما يترتب عن ذلك من صعوبة تحديد مدى استجابة القطاعات الحكومية لما تعلنه أمام ممثلي الأمة.
وتخلص الورقة إلى أن التحدي الأساسي لم يعد مرتبطاً بعدد الأسئلة والتدخلات التي يشهدها مجلس النواب، بقدر ما يتصل بمدى قدرة المؤسسة التشريعية على متابعة الأجوبة والتعهدات والتحقق من تنفيذها، عبر آليات مؤسساتية تضمن الشفافية وتتيح للرأي العام الاطلاع على الحصيلة الفعلية للمساءلة البرلمانية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك