أنتلجنسيا المغرب:حمان ميقاتي/م.كندا
تكشف بنية
اتخاذ القرار بشأن التفاوض مع الولايات المتحدة داخل إيران عن منظومة متعددة
المستويات، تبدأ من لجنة سداسية معنية بملف التفاوض داخل أمانة المجلس الأعلى
للأمن القومي، وتمر عبر مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية، وصولاً في القضايا
الاستراتيجية والحساسة إلى مستوى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وبينما لا تزال
العضوية الكاملة للجنة غير معلنة رسمياً، تداولت مصادر غير رسمية أسماء شخصيات
قالت إنها تشارك فيها، في وقت أثارت فيه الاتصالات التي أجراها وزير الخارجية عباس
عراقجي مع الجانب الأميركي في نيويورك جدلاً داخلياً واسعاً وصل إلى تسجيل طلب
لاستجوابه في البرلمان.
وكان عراقجي
قد أوضح في تصريحات سابقة أن هيكلية اللجنة بدأت باعتبارها «اللجنة النووية»، قبل
أن تتحول إلى «لجنة التفاوض»، ثم أُطلق عليها لاحقاً اسم «اللجنة السداسية»، وكانت
مهمتها مناقشة أصل قرار الدخول في المفاوضات، وتحديد المبادئ والأطر التي ينبغي أن
تتحرك ضمنها، على أن تُرفع خلاصاتها إلى المجلس الأعلى للأمن القومي. كما أكد
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي وجود لجنة سداسية داخل المجلس
تتولى الملفات المتعلقة بالتفاوض، مشيراً إلى أن عراقجي عضو فيها، من دون إعلان
رسمي عن تركيبتها الكاملة.
وفي ظل غياب
إعلان رسمي عن جميع الأعضاء، تداولت مصادر غير رسمية تركيبة تضم رئيس البرلمان
محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وقائد الحرس
الثوري أحمد وحيدي، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة علي عبداللهي، وأمين
المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، إلى جانب وزير الخارجية عباس عراقجي. كما
تبرز الحاجة إلى التمييز بين هذه اللجنة المعنية بالتفاوض وبين «الفريق السداسي»
الذي تحدث عنه الرئيس مسعود بزشكيان في سياق آخر، باعتباره مجموعة تضم شخصيات من
أجهزة الدولة وتتخذ قرارات بالتنسيق فيما بينها، وهو ما يعكس تعدد الأطر التي
تتحرك داخلها عملية صنع القرار الإيراني.
وتتجاوز أهمية
هذه البنية مجرد تحديد أعضاء لجنة تفاوض، إذ تكشف عن تداخل المؤسسات السياسية
والأمنية والدبلوماسية في إدارة الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن. وفي القضايا
الاستراتيجية، تبقى قرارات السياسة الخارجية والأمن القومي مرتبطة بالمستويات
العليا للسلطة، بينما تتولى اللجان والمؤسسات المعنية إعداد الخيارات ومناقشة حدود
التفاوض وآلياته. ومن ثم، فإن وجود لجنة سداسية لا يعني بالضرورة أنها مركز قرار
مستقل، بل يمكن النظر إليها باعتبارها آلية للتنسيق وصياغة الخيارات قبل انتقال
الملفات إلى مستويات القرار الأعلى.
وفي هذا
السياق، أثارت الاتصالات التي جرت في نيويورك خلال سبتمبر الماضي جدلاً واسعاً
داخل إيران، بعدما تعرض عراقجي لانتقادات بشأن طبيعة تواصله مع مسؤولين أميركيين،
وفي مقدمتهم المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. وبينما تحدثت روايات عن اتصالات غير
مباشرة ونقل رسائل عبر وسطاء، قال منتقدون داخل إيران إن عراقجي لم يكن يملك
التفويض الكافي لإجراء اتصالات مباشرة مع مسؤولين أميركيين، وطالبوا بتوضيح الأساس
الذي استند إليه في تلك التحركات. وهذه الاتهامات تبقى مواقف سياسية صادرة عن
منتقدي الوزير وليست حكماً نهائياً على ما جرى.
وتحول الخلاف
سريعاً إلى مسار برلماني، إذ أكد عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني محمد رشيدي، في
6 أكتوبر، تسجيل طلب لاستجواب عراقجي في النظام البرلماني، من دون إحالته بعد إلى
هيئة رئاسة المجلس. ويشمل الطلب، بحسب ما أعلنه مقدموه، انتقادات لأداء وزارة
الخارجية وطريقة إدارة ملف العلاقات مع الولايات المتحدة، إلى جانب اتهامات باتخاذ
خطوات من دون التنسيق المطلوب وتجاوز ما يعتبره منتقدون «خطوطاً حمراء» في السياسة
الخارجية.
وتكتسب هذه
المساءلة أهمية إضافية لأن عراقجي نفسه عضو في اللجنة السداسية المعنية بالتفاوض،
وهو ما يفتح نقاشاً حول حدود التفويض الممنوح له في التحرك الدبلوماسي: هل كانت
اتصالات نيويورك جزءاً من الإطار الذي أقرته منظومة صنع القرار الإيراني، أم أنها
احتاجت إلى موافقات إضافية قبل إجرائها؟ ويظل هذا السؤال محوراً أساسياً في الخلاف
الحالي، خصوصاً مع استمرار تضارب الروايات بشأن طبيعة الاتصالات وحدودها وما إذا
كانت قد تمت ضمن قنوات التفاوض المعتمدة.
ومن هنا، لا
يقتصر الجدل حول عراقجي على شخص وزير الخارجية، بل يرتبط بصورة أوسع بتحديد هامش
الحركة الذي تملكه الدبلوماسية الإيرانية تجاه واشنطن، وبالعلاقة بين وزارة
الخارجية واللجنة السداسية والمجلس الأعلى للأمن القومي والمستويات العليا
للقيادة. فالخلاف البرلماني يكشف في جانب منه عن صراع حول آليات اتخاذ القرار
وحدود التفويض في ملف شديد الحساسية، خصوصاً أن أي تواصل مع الولايات المتحدة يحمل
أبعاداً سياسية وأمنية تتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي.
وبذلك، تحولت
اتصالات نيويورك من مجرد مسار دبلوماسي إلى اختبار داخلي لطريقة إدارة التفاوض مع
واشنطن ولحدود صلاحيات المسؤولين المكلفين بهذا الملف. وبينما يبقى طلب استجواب
عراقجي في مراحله الإجرائية الأولى، فإن الجدل الذي أثاره يعكس حساسية الملف
الأميركي داخل مؤسسات الحكم الإيرانية، ويعيد طرح السؤال حول الجهة التي تملك
القرار النهائي في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، وكيف تتوزع الأدوار بين المؤسسات
المختلفة قبل وصول القضايا الاستراتيجية إلى أعلى مستويات القرار.