أنتلجنسيا:أبو جاسر
بينما رُوّج له باعتباره خطوة لإعادة تنظيم مهنة المحاماة وتحديث المنظومة القضائية، فجّر مشروع القانون الجديد المنظم للمهنة موجة جدل واسعة داخل الأوساط القانونية والاقتصادية، بعدما تحوّل النقاش من قبة البرلمان إلى مخاوف حقيقية بشأن مستقبل الولوج إلى العدالة، وسط تحذيرات من أن يتحول التقاضي إلى امتياز مكلف لا يقدر عليه سوى الميسورون.
ورغم مصادقة مجلس النواب على المشروع، لا تزال بعض مقتضياته تثير نقاشاً حاداً، خاصة المادة 31 التي تنص على إلزامية الاستعانة بمحام بالنسبة للأشخاص الذاتيين والمعنويين والشركات والمؤسسات أمام درجات التقاضي، وهو ما اعتبره متابعون تغييراً جذرياً قد يرفع تكلفة الوصول إلى القضاء ويضاعف الأعباء المالية على فئات واسعة من المواطنين والمقاولات.
ويأتي هذا الجدل في وقت يكشف فيه واقع الاقتصاد المغربي أن أغلب النسيج المقاولاتي يتكون أساساً من المقاولات الصغرى جداً والصغرى والمتوسطة، إضافة إلى المقاولين الذاتيين والشركات الناشئة، وهي فئات تكافح أصلاً وسط أزمات التمويل والسيولة وارتفاع الضغط الضريبي. ويرى مهتمون بالشأن الاقتصادي أن فرض محام في مختلف المنازعات، حتى البسيطة منها، قد يشكل عبئاً مالياً إضافياً يهدد استمرارية عدد من المشاريع الصغيرة التي بالكاد تصارع للبقاء.
ولا يتوقف القلق عند عالم المقاولة فقط، بل يمتد إلى المواطن البسيط الذي قد يجد نفسه مضطراً لتحمل أتعاب محام من أجل نزاعات يومية محدودة القيمة، مثل مشاكل الكراء أو المطالبات المالية المرتبطة بخدمات الاتصالات أو التأمين أو التوزيع. وهو ما يثير، بحسب خبراء قانونيين، سؤالاً جوهرياً حول مدى التناسب بين قيمة النزاع وكلفة التقاضي، خصوصاً حين تصبح مصاريف المحامي أعلى من المبلغ المتنازع بشأنه.
وفي خضم هذا الجدل، برزت انتقادات إضافية مرتبطة باستثناء الدولة والإدارات العمومية من هذه الإلزامية، حيث سُمح لها بمواصلة الترافع عبر موظفيها ومستشاريها القانونيين، في مقابل فرض الاستعانة بمحام على الطرف المقابل. ويرى متابعون أن هذا الوضع قد يخلق اختلالاً في مبدأ تكافؤ الفرص بين أطراف النزاع، خاصة حين يكون المواطن أو المقاولة الصغيرة في مواجهة إدارة عمومية تمتلك إمكانيات قانونية وإدارية أكبر.
كما فتح المشروع باب التساؤلات حول تأثيره المحتمل على مناخ الأعمال والاستثمار، بالنظر إلى أن سرعة البت في النزاعات وانخفاض كلفة التقاضي يشكلان عنصرين أساسيين في تقييم جاذبية الأسواق الاقتصادية. وتخشى أوساط اقتصادية من أن يؤدي توسيع إلزامية المحامي ليشمل حتى بعض المساطر الاستعجالية والتنفيذية إلى إبطاء حل النزاعات التجارية ورفع كلفتها، ما قد يُثقل كاهل المقاولات الناشئة التي تحتاج إلى حلول مرنة وسريعة.
ويزداد الجدل حدة مع طرح سؤال آخر يتعلق بمسار رقمنة العدالة الذي استثمرت فيه الدولة خلال السنوات الأخيرة ملايين الدراهم لتقريب الخدمات القضائية من المواطنين وتسهيل تتبع الملفات إلكترونياً. فبينما كان الهدف المعلن هو تبسيط الولوج إلى القضاء وتقليص التعقيدات الإدارية، يرى منتقدون أن تعميم إلزامية المحامي قد يُفرغ جزءاً من هذا الورش من مضمونه، ويعيد إنتاج الحواجز المالية والقانونية أمام فئات واسعة، في مشهد يصفه البعض بأنه انتقال تدريجي نحو “عدالة بمقابل مرتفع”، قد تُقصي الضعفاء أكثر مما تحميهم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك