أنتلجنسيا:أبو آلاء
لم يعد الصراع السياسي في المغرب مجرد تنافس انتخابي تقليدي، بل تحول إلى مواجهة مباشرة بلا أقنعة بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب العدالة والتنمية، مع اقتراب محطة 23 شتنبر، في أجواء مشحونة تعكس دخول البلاد فعلياً في حملة انتخابية سابقة لأوانها عنوانها التصعيد والاصطفاف الحاد.
المشهد انفجر بشكل واضح بعدما انتقل التراشق من قبة البرلمان إلى المنصات الإعلامية المفتوحة، حيث اختار كل طرف نقل المعركة إلى الرأي العام، وتحويل الندوات الصحفية إلى أدوات هجومية لكسب النقاط وضرب صورة الخصم قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
في هذا السياق، جاء تحرك “الأحرار” كرد مباشر على الهجوم الذي قاده “البيجيدي” ضد حصيلة حكومة عزيز أخنوش، حيث سعى الحزب إلى استعادة المبادرة عبر تقديم قراءة مضادة، لا تكتفي بعرض الأرقام، بل تفكك خطاب “الفشل” الذي تروج له المعارضة، في محاولة لإعادة توجيه النقاش نحو ما يعتبره إنجازات استراتيجية طويلة المدى.
الندوة التي احتضنتها الرباط لم تكن تقنية بقدر ما كانت سياسية بامتياز، إذ حملت رسائل واضحة مفادها أن الحزب قرر الخروج من موقع الدفاع إلى الهجوم، واضعاً خصومه أمام رواية بديلة تقول إن ما يُوصف بالتعثر ليس سوى كلفة طبيعية لإصلاحات عميقة تمتد آثارها على المدى البعيد.
في المقابل، يواصل “العدالة والتنمية” الرهان على ورقة الاحتقان الاجتماعي، معتبراً أن الواقع المعيشي للمواطنين هو المعيار الحقيقي لتقييم الأداء الحكومي، في مواجهة خطاب رسمي يركز على المؤشرات الماكرو اقتصادية، ما يخلق صداماً مباشراً بين “أرقام الدولة” و”إحساس الشارع”.
هذا التصعيد المتبادل يكشف أن معركة “الحصيلة” أصبحت القلب النابض للصراع السياسي الحالي، حيث يسعى كل طرف إلى فرض روايته كحقيقة انتخابية، إما باعتبار الحكومة “درعاً للاستقرار الاقتصادي”، أو كعنوان “لفشل اجتماعي متراكم”، في معركة لا تقبل المناطق الرمادية.
الأخطر في هذا التحول هو أن الخطاب السياسي بدأ يتجه نحو مزيد من الحدة، مع التخلي التدريجي عن لغة التوازن لصالح منطق المواجهة المباشرة، ما ينذر بحملة انتخابية استثنائية قد تتجاوز السقف المعتاد، خاصة مع اقتراب موعد الحسم.
في ظل هذا المناخ، تبدو الساحة السياسية وكأنها دخلت مرحلة “الكل ضد الكل”، حيث لم يعد الهدف فقط إقناع الناخب، بل إضعاف الخصم إلى أقصى حد ممكن قبل الوصول إلى يوم الاقتراع، في سباق محموم قد يعيد رسم الخريطة الحزبية، ويكشف من يملك القدرة الحقيقية على كسب ثقة المغاربة وسط هذا الصخب السياسي المتصاعد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك