أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
سلّطت ندوة فكرية وسياسية نظّمها فرع تمارة لحزب الحزب الاشتراكي الموحد الضوء على التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، مؤكدة أن العالم يعيش مرحلة انتقالية معقدة قد تقود إلى تشكل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وهو ما يفرض على الدول، خصوصاً في الجنوب، إعادة التفكير في خياراتها الاستراتيجية وتحالفاتها الدولية.
اللقاء الذي احتضنته مدينة تمارة يوم 7 مارس 2026 تزامناً مع مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، خصص لتحليل الخلفيات الجيوسياسية للصراع واستشراف تداعياته الاقتصادية والسياسية والقانونية على المستوى العالمي، مع التركيز على انعكاساته المحتملة على دول الجنوب والمنطقة المغاربية والعالم العربي والإسلامي، إضافة إلى الفرص التي قد تتيحها التحولات الدولية الجارية.
وشارك في الندوة عدد من الباحثين والخبراء في العلاقات الدولية، حيث قدم الكاتب والصحافي عبد العزيز كوكاس قراءة جيوسياسية للصراع وتأثيراته المحتملة على موقع دول الجنوب والمغرب بين منطق الإدانة والحفاظ على المصالح، بينما تناول الأمين العام لحزب حزب البديل الحضاري المصطفى المعتصم الأبعاد الجيوسياسية للحرب وتداعياتها على موازين القوى الدولية. كما قدم الخبير في العلاقات الدولية أحمد نور الدين تحليلاً اعتبر فيه أن أوكرانيا تحولت إلى ساحة لصراع محلي بأبعاد عالمية، في حين تطرق الأستاذ الجامعي علي أوشقير إلى آثار الحرب على الاقتصاد الإفريقي، بينما ناقش الباحث في علم الاجتماع السياسي محمد أكديد تطور التوتر التاريخي بين روسيا وحلف حلف شمال الأطلسي.
وأجمع المشاركون خلال النقاشات على أن الحرب في أوكرانيا تعكس تحولاً عميقاً في بنية النظام الدولي، مع تراجع الهيمنة الأحادية وصعود ملامح نظام متعدد الأقطاب، في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى لإعادة توزيع النفوذ الجيوسياسي ومجالات التأثير الاستراتيجي. كما اعتبروا أن هذا الصراع كشف حدود فعالية المؤسسات الدولية والقانون الدولي في إدارة النزاعات الكبرى، في وقت يتزايد فيه اللجوء إلى العقوبات الاقتصادية والصراعات غير المباشرة كوسائل للصراع بين القوى العالمية.
وعلى المستوى الاقتصادي، أبرزت المداخلات أن تداعيات الحرب ساهمت في اضطراب أسواق الطاقة والغذاء وارتفاع معدلات التضخم على الصعيد العالمي، فضلاً عن إحداث اختلالات في سلاسل التوريد الدولية، وهو ما دفع عدداً من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية وتنويع شراكاتها التجارية والمالية.
كما ناقشت الندوة انعكاسات هذه التطورات على دول الجنوب، حيث أكد المشاركون أن هذه الدول تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الأزمات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقي، لكنها في المقابل قد تجد في التحولات الجارية فرصة لإعادة التموضع الاستراتيجي وتعزيز سيادتها الاقتصادية عبر تنويع علاقاتها الدولية وتقليص التبعية لمراكز القرار العالمية.
وفي ختام أشغالها، دعت الندوة إلى اعتماد مقاربات وطنية وإقليمية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وتجنب الانخراط في الاستقطابات الدولية الحادة، مع إعطاء الأولوية لتعزيز الأمن الغذائي والطاقي عبر دعم الإنتاج الوطني وتطوير سلاسل الإمداد الاستراتيجية. كما شددت على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي داخل الفضاءين المغاربي والإفريقي لمواجهة التقلبات الدولية وتقوية القدرة التفاوضية الجماعية.
كما أوصى المشاركون بضرورة إحداث مراكز بحثية مستقلة ومتخصصة تعنى بدراسة التحولات الدولية الكبرى وتأثيراتها على المغرب ودول الجنوب، بهدف توفير معطيات علمية واستراتيجية تساعد صناع القرار في صياغة السياسات العمومية. ودعت الندوة أيضاً إلى التفكير في إنشاء مجلس وطني للسياسة الخارجية كهيئة استشارية عليا تسهم في استشراف التحولات الدولية وتوجيه الخيارات الدبلوماسية للمملكة ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وأكدت الندوة في ختام أعمالها أن العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو ما يتطلب من المغرب يقظة استراتيجية وسياسات مرنة قادرة على التكيف مع التحولات المتسارعة للنظام الدولي، بما يعزز السيادة الوطنية ويفتح آفاقاً جديدة للتنمية والاستقرار.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك