أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
من أواخر يناير وبداية فبراير 2026، دخلت مناطق القصر الكبير والقرى الممتدة على ضفتي وادي اللوكوس، ومعها أجزاء واسعة من الغرب المرتبطة بأحواض سبو والردم وورغة، مرحلة غير مسبوقة من القلق الجماعي، بعدما ارتفعت مناسيب المياه إلى مستويات مقلقة تجاوزت قدرة الأودية والبنيات المحلية على الاحتمال، ووضعت آلاف الأسر في مواجهة مباشرة مع شبح فيضانات وشيكة قد تكون مدمرة. لم يعد الأمر مجرد تقلبات شتوية مألوفة، بل تحوّل إلى تهديد واضح للأمن اليومي، مع مؤشرات ميدانية على أن الوضع خرج عن السيطرة التقليدية لمنظومة التدبير المحلي.
في القصر الكبير، انتقل المشهد بسرعة من تفسير تقني يتحدث عن ارتداد هيدروليكي سببه ارتفاع منسوب المحيط الأطلسي، إلى حالة استنفار حقيقي، تُرجم بقطع طرق رئيسية، وتعطيل حركة السير، وبدء إجلاء سكان مناطق منخفضة، وبناء حواجز مؤقتة في سباق مع الزمن. المدينة، ومعها القرى المجاورة، تعيش على إيقاع الترقب، وسط مخاوف من بلوغ ذروة فيضانات قد تضرب الأحياء الهشة أولًا، قبل أن تمتد آثارها إلى محيط أوسع، في سيناريو وصفه فاعلون محليون بـ”الاستثنائي والخطير”.
في قلب هذه التطورات، خرجت وزارة التجهيز والماء، يوم 4 فبراير 2026، بتقرير تقني حول وضعية سد وادي المخازن، كشف أرقامًا غير مسبوقة في تاريخ التدبير المائي الحديث. تساقطات تفوق المعدل السنوي بأكثر من 30 في المائة، وواردات مائية تجاوزت 8.7 مليار متر مكعب، ونسبة ملء للسدود قاربت 62 في المائة، مع مخزون إجمالي فاق 10.3 مليارات متر مكعب، وهي مستويات لم تُسجل منذ سنوات. الأخطر أن سد وادي المخازن وحده استقبل قرابة مليار متر مكعب من المياه في بضعة أشهر، أكثر من ثلثيها خلال أسبوعين فقط، ما دفع بحقينته إلى تجاوز طاقتها العادية بأكثر من 146 في المائة، في ضغط هيدروليكي وُصف بالهائل.
أمام هذا الوضع، لجأت الوزارة إلى تفريغ وقائي كميته التراكمية ناهزت 373 مليون متر مكعب، باعتباره إجراءً استباقيًا لتفادي سيناريوهات كارثية محتملة، خاصة مع توقع واردات إضافية ضخمة وتصريف قد يبلغ أرقامًا قياسية في الثانية الواحدة. ورغم الطابع العلمي لهذه القرارات، فإنها لم تُقنع ساكنة المناطق المتضررة، التي وجدت نفسها بين مطرقة الأرقام وسندان الخوف، خصوصًا مع غياب خطاب سياسي وإعلامي مباشر يشرح المخاطر بلغة واضحة، ويطمئن الناس حول ما ينتظرهم في الساعات والأيام المقبلة.
هذا الغياب في التواصل فجّر نقاشًا واسعًا حول دور المسؤولين السياسيين في لحظات الأزمات، حيث طُرحت تساؤلات حادة حول اختفاء وزير التجهيز والماء عن المشهد الإعلامي، في وقت لا تكفي فيه البلاغات التقنية الجافة لتهدئة مخاوف مواطنين ينامون ويصحوْن على صوت المياه المتدفقة. الانتقادات لم تتوقف عند الشارع، بل وصلت إلى البرلمان، حيث أُثيرت مطالب بنقاش عاجل حول الفيضانات، قوبلت بالرفض بدعوى احترام جدول الأعمال، في مشهد اعتبره كثيرون انفصالًا صارخًا بين المؤسسات ونبض الواقع.
ورغم تأكيد الجهات الرسمية أن الفرق التقنية تشتغل على مدار الساعة، وأن التنسيق قائم مع السلطات المحلية ووكالات الأحواض المائية، فإن هذه الجهود تبقى، في نظر المتضررين، غير كافية ما دامت لا تُترجم إلى تواصل مباشر، شفاف، ومسؤول، يعترف بحجم الخطر ويشرح بوضوح حدود التدخل وإمكانياته. ما يحدث اليوم على ضفاف اللوكوس والسبو ليس مجرد حادث موسمي، بل إنذار قوي يكشف هشاشة البنيات التحتية أمام التغيرات المناخية المتسارعة، ويطرح أسئلة ثقيلة حول اختيارات التخطيط المائي، وجدوى الاعتماد المستمر على منطق السدود والتفريغ الوقائي دون رؤية شمولية بعيدة المدى.
في العمق، تبدو أزمة الفيضانات اختبارًا قاسيًا لثقة المواطنين في مؤسسات التدبير العمومي. فحين تتحول الأرقام القياسية إلى مصدر رعب بدل أن تكون عنوانًا للطمأنة، وحين يغيب التواصل السياسي في لحظات الخطر، تتصدع العلاقة بين المواطن والدولة. وبينما تستمر السماء في ضخ أمطارها، يبقى السؤال معلقًا: هل ستنجح السياسات العمومية في تحويل هذه الأزمة إلى درس لإعادة بناء الثقة والاستعداد للمستقبل، أم ستظل الفيضانات مجرد أرقام تُقرأ بعد فوات الأوان؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك