مشاريع تُوقَّع أمام الملك وتُدفَن في الأدراج ومجلس الحسابات يكشف المستور ويُفجر حقائق صادمة

مشاريع تُوقَّع أمام الملك وتُدفَن في الأدراج ومجلس الحسابات يكشف المستور ويُفجر حقائق صادمة
سياسة / الثلاثاء 03 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الله البارودي

فجّرت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، يوم الثلاثاء 03 فبراير الجاري معطيات صادمة من قلب البرلمان، كشفت من خلالها أن جزءاً كبيراً من البرامج التنموية التي رُفعت كشعارات كبرى أمام أعلى سلطة في البلاد تحوّل عملياً إلى التزامات معلّقة ومشاريع لم تغادر الورق.

أرقام التقرير السنوي برسم 2024-2025 ترسم صورة قاتمة لتخطيط عمومي يُعلن أكثر مما يُنجز، ويعد أكثر مما يستطيع الوفاء به.

العدوي أوضحت أن من أصل 78 اتفاقية وُقعت أمام الملك بين سنتي 2008 و2020، لم يكتمل تنفيذ الأشغال سوى في 32 برنامجاً فقط، أي أقل من النصف، وبكلفة مالية لم تتجاوز 16,6 مليار درهم، بينما كان من المفترض تعبئة ما يقارب 184 مليار درهم. النتيجة: إنجاز لا يتعدى 9 في المائة من الغلاف المالي المعلن، وهو ما يعكس فجوة خطيرة بين الخطاب التنموي والقدرة الفعلية على التنفيذ.

وخلال عرضها أمام مجلسي البرلمان، شددت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات على أن المغرب مقبل على جيل جديد من برامج التنمية الترابية، محذّرة من إعادة إنتاج نفس الأعطاب، وداعية إلى القطع مع منطق الإعلان عن برامج غير واقعية، غير قابلة للتنزيل، ومفصولة عن الإمكانيات المالية والزمنية الحقيقية للدولة والجماعات الترابية.

التقرير كشف أن اختلالات التنفيذ ليست استثناءً، بل نمطاً متكرراً. ففي تقييم شامل لبرامج التنمية الترابية المندمجة الممتدة بين 2008 و2022، تبيّن أن نسبة البرامج التي اكتملت مشاريعها لا تتجاوز 26 في المائة من حيث العدد، و14 في المائة فقط من حيث الكلفة، أي 41 برنامجاً من أصل 158، بغلاف مالي لم يتعدَّ 6,3 مليارات درهم من أصل 45 ملياراً كانت مبرمجة. أرقام تُظهر أن جزءاً كبيراً من الاستثمار العمومي ضاع بين التأخير والتعثر وسوء التقدير.

وفي ما يخص برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، أبرزت العدوي أن المشاريع المنجزة انحصرت أساساً في صيانة وتأهيل مرافق قائمة، بدل إحداث بنيات جديدة أو توسيع التغطية بالخدمات الأساسية، وهو ما يتناقض مع الهدف الجوهري المعلن للبرنامج، والمتمثل في تحقيق العدالة المجالية وفك العزلة عن العالم القروي والمناطق الجبلية المحرومة.

رئيسة مجلس الحسابات لم تكتفِ بتشخيص الأعطاب، بل انتقدت أيضاً منطق التتبع السائد، الذي يكتفي بقياس نسب الإنجاز وصرف الاعتمادات، دون تقييم الأثر الحقيقي على حياة المواطنين أو على الاقتصاد المحلي. ودعت إلى الانتقال نحو مقاربة نوعية تُقاس فيها التنمية بما تُحدثه من تغيير فعلي، لا بما تُعلنه من أرقام.

ووفق التقرير، فإن ضعف التنسيق بين المتدخلين، وتأخر الدراسات التقنية، وعدم توفير الوعاء العقاري في الوقت المناسب، إضافة إلى تفاوت القدرات التدبيرية بين الفاعلين الترابيين، شكّلت عوامل مركزية في إفشال عدد كبير من المشاريع داخل آجالها. الأخطر من ذلك، هو أن عدداً من المنشآت أُنجز دون تصور واضح لاستغلالها أو صيانتها، ودون تحديد الجهة المسؤولة عن تشغيلها، ما حوّلها إلى بنايات معطلة أو مشاريع بلا روح.

المعطيات التي قدمتها العدوي كشفت أن نحو 48 في المائة من المشاريع المتعثرة، أي ما يقارب نصفها، تواجه مشاكل على مستوى الاستغلال، من أصل أكثر من 2600 مشروع خضعت لتتبع المجالس الجهوية للحسابات. واقع يطرح سؤالاً سياسياً مباشراً حول جدوى التخطيط العمومي الحالي، وحول المسؤوليات الحقيقية وراء تحويل التنمية إلى وعود مؤجلة، تُوقّع باسم الدولة، لكنها لا تجد طريقها إلى المواطن.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك