المحامون يُواجهون الدولة دفاعًا عن العدالة واستقلال القانون(وثيقة)

المحامون يُواجهون الدولة دفاعًا عن العدالة واستقلال القانون(وثيقة)
سياسة / السبت 24 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، دخلت هيئة المحامين بالدار البيضاء على خط الصراع المفتوح حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، معلنة الشروع في توقيف شامل لتقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع كامل ابتداءً من 26 يناير 2026، في رسالة سياسية وقانونية شديدة اللهجة إلى الدولة والحكومة معًا، مفادها أن ما يُحضَّر في الكواليس لم يعد مجرد “إصلاح تشريعي”، بل مساس مباشر بجوهر العدالة واستقلال الدفاع.

البلاغ الصادر عن مكتب النقيب لا يترك مجالًا للبس أو التأويل: المحامون يعتبرون أن مشروع القانون رقم 66.23، كما هو مطروح اليوم، يفتح الباب لإفراغ المهنة من مضمونها الدستوري، ويُدخلها قسرًا في منطق الوصاية والتحكم، ضاربًا عرض الحائط بمبدأ التنظيم الذاتي الذي يُعد حجر الزاوية في استقلال مهنة الدفاع داخل أي دولة تدّعي احترام سيادة القانون.

القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء تتويجًا لمسار احتجاجي بدأ منذ أسابيع، شاركت فيه هيئات مهنية وجمعيات ومنظمات، وبلغ ذروته خلال اجتماع مجلس الهيئة، الذي خلص إلى أن كل محاولات التنبيه والحوار قوبلت بالتجاهل والإصرار على تمرير مشروع مرفوض مهنيًا وحقوقيًا، في سلوك يعكس ذهنية تشريعية أحادية لا ترى في الفاعلين سوى منفذين لا شركاء.

الرسالة الأكثر خطورة في البلاغ ليست فقط في إعلان التوقف عن العمل، بل في التأكيد الصريح على أن الدفاع عن كرامة المهنة هو دفاع عن حق المواطن في محاكمة عادلة. فحين يُقوَّض استقلال المحامي، تُقوَّض تلقائيًا حقوق المتقاضين، ويُفتح المجال أمام عدالة مُفرغة من مضمونها، خاضعة لموازين القوة بدل سلطة القانون.

ويكشف البلاغ، بلغة هادئة في ظاهرها وحادة في جوهرها، أن الدولة تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا الاحتقان، سواء عبر الإصرار على تمرير نص تشريعي مرفوض، أو عبر تجاهل المواقف الصادرة عن مؤسسات مهنية دستورية، وهو ما يطرح سؤالًا ثقيلًا: هل نحن أمام إصلاح للعدالة أم إعادة هندسة لها على مقاس السلطة؟

الأخطر أن هذا التصعيد يأتي في سياق وطني يتسم بتراجع الثقة في المؤسسات، وتضييق متزايد على الحقوق والحريات، ما يجعل من معركة المحامين جزءًا من معركة أوسع حول طبيعة الدولة نفسها: دولة الحق والقانون، أم دولة الضبط والتحكم؟

إعلان التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية ليس مجرد إجراء احتجاجي تقني، بل إنذار سياسي وقانوني من العيار الثقيل، مفاده أن المساس باستقلال الدفاع خط أحمر، وأن تمرير القوانين بالقوة العددية، دون توافق ولا تشاور حقيقي، لن يمر دون كلفة.

إنها لحظة اختبار حقيقية للحكومة: إما العودة إلى منطق الحوار والتراجع عن مشروع قانون مرفوض، أو المضي في نهج الصدام مع مهنة تشكل أحد أعمدة العدالة. وفي الحالتين، الثمن لن يكون مهنيًا فقط، بل دستوريًا ومجتمعيًا، لأن العدالة حين تختل، لا يسلم أحد من ارتداداتها.



لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك