أنتلجنسيا:ياسر اروين
أحدث إعلان عزيز أخنوش تنحيه عن رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، صدمة سياسية تجاوزت حدود الحزب، لتربك مجمل المشهد الحزبي وتفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات متباينة لانتخابات 2026.
الانتخابات التي، يُرتقب أن تكون الأكثر تعقيدًا منذ دستور 2011، في ظل تآكل الثقة، وتراجع الوساطة الحزبية، وصعود منطق التدبير بدل السياسة.
فخروج رجل المرحلة السابقة، لا يعني فقط نهاية قيادة حزبية، بل يعلن عمليًا نهاية دورة سياسية بكاملها، وبداية سباق مفتوح بلا قواعد واضحة.
أول السيناريوهات المطروحة، يتمثل في صعود حزب الأصالة والمعاصرة كقوة أولى، أو مهيمنة داخل الحكومة المقبلة.
فالحزب، الذي راكم حضورًا مؤسساتيًا وازنًا داخل الجماعات والجهات، واستفاد من موقعه داخل الأغلبية، قد يجد نفسه المستفيد الأكبر من فراغ قيادة الأحرار.
غير أن هذا الاحتمال يصطدم بإكراهات داخلية، أبرزها استمرار أزمة الهوية السياسية، وضعف التعبئة الشعبية، وعدم قدرة الحزب إلى حدود الآن على إنتاج خطاب جامع يتجاوز منطق التدبير الترابي إلى مشروع سياسي وطني مقنع.
فالغلبة العددية،لا تعني بالضرورة الشرعية السياسية، خاصة في سياق انتخابي متوتر، ويُنذر بأزمة سياسية خانقة.
السيناريو الثاني، وهو الأكثر تداولًا داخل الكواليس، يتمثل في بلقنة الخريطة السياسية، أي برلمان مشتت بلا أغلبية واضحة، تُوزع فيه المقاعد على كتل متقاربة العدد، بما يجعل تشكيل الحكومة عملية معقدة وطويلة.
هذا الاحتمال يبدو واقعيًا، في ظل تراجع منسوب الثقة في الأحزاب الكبرى، وغياب قطبية واضحة، وتنامي العزوف الانتخابي.
فبلقنة المشهد، قد تكون مدخلًا لمرحلة عدم استقرار حكومي، أو حكومات هجينة ضعيفة سياسيًا، ما يفتح الباب أمام حلول استثنائية خارج المنطق الحزبي التقليدي.
ومن هنا يطفو السيناريو الثالث، والمتمثل في فرض اسم تكنوقراطي لرئاسة الحكومة، من داخل الحزب الذي يحتل المرتبة الأولى، سواء بشكل مباشر أو عبر توافق مُوجَّه.
هذا الخيار، الذي لطالما عاد إلى الواجهة في لحظات الانسداد، قد يُقدَّم بوصفه “حلًا عقلانيًا” لتدبير مرحلة اقتصادية واجتماعية دقيقة، لكنه في العمق يعكس فشل الأحزاب في إنتاج نخب قادرة على تحمل المسؤولية السياسية.
فحكومة تكنوقراط، أو شبه تكنوقراط، قد توفر هامشًا من الاستقرار الظرفي، لكنها ستعمق أزمة التمثيل، وتُفرغ الانتخابات من مضمونها السياسي، وتؤكد أن صناديق الاقتراع لم تعد وحدها الفيصل الحقيقي في السلطة.
أما السيناريو الرابع، والأكثر إثارة للجدل، فيتمثل في عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة بزعامة عبد الإله بنكيران.
فالحزب، الذي أُخرج بقوة من المشهد سنة 2021،(وهذا ما لا يختلف عليه عاقلان) لم يختفِ اجتماعيًا ولا رمزيًا، وبنكيران نجح، رغم كل شيء، في الحفاظ على حضور قوي داخل الشارع والخطاب العام، مستثمرًا أخطاء الحكومة، وارتفاع كلفة المعيشة، وتآكل الوعود الاجتماعية.
غير أن عودة “البيجيدي” ليست مضمونة، فهي رهينة بقدرة الحزب على تجاوز صراعاته الداخلية، وتجديد خطابه، وإقناع الناخب بأنه استخلص الدروس من تجربته السابقة في الحكم.
بين هذه السيناريوهات الأربعة، يظل الثابت الوحيد هو أن انتخابات 2026 لن تكون عادية، ولن تُحسم فقط بمنطق البرامج والشعارات.
فالمملكة، أمام لحظة إعادة ترتيب عميقة، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع اعتبارات الاستقرار، وتتصادم الرغبة في التغيير مع هاجس التحكم.
وتنحي عزيز أخنوش لم يُنهِ الأزمة، بل كشفها على حقيقتها، وأكد أن هناك أزمة نخبة، وأزمة ثقة، وأزمة سياسة.
السؤال الحقيقي لم يعد، من سيفوز في انتخابات 2026؟ بل، أي نموذج حكم يريده المغرب في المرحلة المقبلة؟.
هل نموذج حزبي قوي، مهما كانت كلفته، أم تدبير تقني بلا سياسة، أم عودة خطاب احتجاجي بلبوس انتخابي؟
والأكيد، أن الجواب لن تحسمه الكواليس وحدها، بل مدى قدرة المجتمع على فرض صوته في معادلة باتت شديدة التعقيد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك