الجفاف يعود ليهدد الاقتصاد المغربي ويضع الفلاحة والقرى أمام مخاطر جديدة

الجفاف يعود ليهدد الاقتصاد المغربي ويضع الفلاحة والقرى أمام مخاطر جديدة
بانوراما / الأربعاء 02 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:أبو ملاك

يظل الجفاف واحدا من أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، رغم التحسن الذي عرفته التساقطات خلال الموسم الأخير، لأن تأثير سنوات الجفاف المتتالية لم يختف بشكل كامل، ولا تزال الفلاحة مرتبطة بدرجة كبيرة بالظروف المناخية وتوفر المياه، وهو ما يجعل أي تراجع جديد في التساقطات أو ارتفاع في درجات الحرارة مصدر قلق حقيقي بالنسبة إلى الإنتاج الزراعي والدخل في المناطق القروية.

وتكتسي الفلاحة أهمية كبيرة داخل الاقتصاد المغربي، ليس فقط بسبب مساهمتها المباشرة في الناتج الداخلي، وإنما أيضا بسبب ارتباطها الواسع بالتشغيل والنشاط الاقتصادي في العالم القروي، ولذلك فإن أي تراجع في الإنتاج الزراعي لا يبقى محصورا داخل الضيعات، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى الأسواق والأسعار والدخل والاستهلاك، كما ينعكس على آلاف الأسر التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على النشاط الفلاحي.

ورغم تسجيل تحسن في الموسم الفلاحي، فإن المخاوف لا تزال قائمة بسبب استمرار الضغط على الموارد المائية، خصوصا في المناطق التي عانت طويلا من ضعف الفرشة المائية وتراجع حقينات السدود، وهو ما يجعل تدبير المياه أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى مستقبل الزراعة المغربية، في ظل ارتفاع الطلب على الماء وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية التي أصبحت أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة.

ويشكل نقص المياه خطرا خاصا على الفلاحين الصغار، الذين لا يتوفرون دائما على وسائل تمكنهم من مواجهة سنوات الجفاف أو الاستثمار في تقنيات مكلفة للري والاقتصاد في الماء، حيث يمكن لتراجع المحاصيل أن يؤدي إلى انخفاض المداخيل وارتفاع المديونية وصعوبة الوفاء بالالتزامات المالية، بينما تكون قدرة الأسر القروية على تحمل موسم فلاحي ضعيف محدودة مقارنة بالمقاولات والضيعات الكبرى.

كما يمكن أن يؤدي ضعف الإنتاج المحلي لبعض المنتجات الزراعية إلى زيادة الضغط على الأسعار، خصوصا عندما يتراجع العرض في السوق مقابل استمرار الطلب، وهو ما يجعل الجفاف مرتبطا بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للمواطن، لأن ارتفاع تكلفة المنتجات الفلاحية يمكن أن ينتقل إلى أسعار المواد الغذائية ويزيد من المصاريف اليومية للأسر، خاصة عندما تتزامن هذه التطورات مع ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.

ولا تقتصر تداعيات الجفاف على الزراعة وحدها، إذ يمكن أن يتضرر عدد من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، مثل الصناعات الغذائية والنقل والتجارة والخدمات المرتبطة بالعالم القروي، كما أن تراجع النشاط الفلاحي قد يؤدي إلى انخفاض الطلب في المناطق الزراعية، وبالتالي التأثير على مداخيل عدد من التجار والحرفيين وأصحاب الأنشطة الصغيرة الذين يعتمدون على الحركة الاقتصادية التي تخلقها المواسم الفلاحية.

وتزداد المخاوف مع استمرار التغيرات المناخية التي تجعل الفترات الجافة أكثر حدة وعدم انتظام التساقطات أكثر صعوبة في التوقع، وهو ما يفرض على المغرب مواصلة الاستثمار في تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة وتطوير تقنيات الري الحديثة وتحسين تدبير الموارد المائية، إلى جانب إعادة النظر في بعض الأنماط الزراعية التي تستهلك كميات كبيرة من المياه في المناطق التي تعاني أصلا من ندرة هذه المادة الحيوية.

ويضع هذا الوضع الحكومة والقطاع الفلاحي أمام تحد اقتصادي طويل الأمد، لأن تجاوز آثار الجفاف لا يمكن أن يعتمد فقط على انتظار موسم ممطر، وإنما يحتاج إلى سياسة مستمرة للتكيف مع المناخ الجديد وحماية الفلاحين وضمان استدامة الإنتاج، مع إيجاد توازن بين حاجيات الاقتصاد الزراعي والحفاظ على الموارد المائية التي أصبحت قضية استراتيجية تتجاوز القطاع الفلاحي نفسه.

يبقى خطر الجفاف قائما حتى خلال المواسم التي تعرف تحسنا نسبيا، لأن الأزمة المائية التي تراكمت على مدى سنوات تحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها، وأي عودة إلى موسم جاف قد تعيد الضغط على الإنتاج والأسعار والدخل القروي، ولذلك فإن حماية الاقتصاد المغربي من الصدمات المناخية أصبحت مرتبطة بمدى نجاح البلاد في بناء فلاحة أكثر مقاومة للجفاف واقتصادا أكثر قدرة على مواجهة ندرة المياه وتقلبات المناخ.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك