أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
شهد المستشفى الجهوي الغساني بمدينة فاس خلال الأيام الأخيرة توافد ثلاث جثث لأشخاص فارقوا الحياة في ظروف مأساوية ومتفرقة، ما دفع المصالح الأمنية إلى فتح تحقيقات رسمية تحت إشراف النيابة العامة المختصة للكشف عن ملابسات هذه الوقائع التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول تنامي الأزمات النفسية في المجتمع.
ووفق معطيات متطابقة، فقد سجلت أولى الحالات نهاية الأسبوع الماضي عندما عُثر داخل فضاء عمومي على رجل في الخمسين من عمره مفارقا للحياة في ظروف غامضة، دون أن يتم تحديد هويته في البداية، ما استنفر السلطات المحلية وعناصر الأمن التي باشرت إجراءات المعاينة والتحقيق.
الحادثة الثانية تعود لامرأة في عقدها الثالث وأم لطفل، حيث تم العثور عليها متوفاة داخل منزل أسرتها، الأمر الذي خلف صدمة قوية في محيطها العائلي، فيما باشرت الأجهزة المختصة تحقيقا لمعرفة الظروف التي سبقت الحادث.
أما الواقعة الثالثة فسُجلت قبل يومين فقط، وتتعلق بجندي في الأربعينيات من عمره يعمل ضمن وحدة عسكرية للتدخل، حيث أفادت المعطيات الأولية بأن خلافات عائلية قد تكون من بين العوامل التي سبقت الحادث، بينما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد جميع الملابسات.
هذه الوقائع المتقاربة زمنيا أعادت طرح التساؤلات حول تصاعد الضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تدفع بعض الأفراد إلى اتخاذ قرارات مأساوية، وهو ما أكدته الأخصائية النفسية وصال المغاري التي اعتبرت أن الظاهرة باتت تثير قلق المختصين، خصوصا مع تسجيل ارتفاع ملحوظ في صفوف الشباب.
وأوضحت المتحدثة أن بيانات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن المغرب يسجل في المتوسط نحو 7.2 حالات وفاة مرتبطة بإنهاء الحياة لكل مئة ألف نسمة سنويا، وهو رقم يعكس وجود تحديات حقيقية مرتبطة بالصحة النفسية والدعم الاجتماعي.
وترى المغاري أن الأسباب غالبا ما تكون متشابكة، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مثل البطالة والهشاشة الاجتماعية مع ضغوط الحياة اليومية والمشاكل الأسرية، إضافة إلى ضعف الولوج إلى خدمات الدعم والعلاج النفسي، فضلا عن الاضطرابات النفسية التي قد تمر دون تشخيص أو متابعة.
وفي ظل هذه المعطيات، شددت الأخصائية على ضرورة اعتماد مقاربة وقائية شاملة، تقوم على تعزيز خدمات الصحة النفسية داخل المنظومة الصحية، وتكثيف حملات التوعية المجتمعية، مع توفير فضاءات للدعم النفسي للفئات الأكثر عرضة للهشاشة.
كما دعت إلى إدماج خدمات العلاج والمتابعة النفسية ضمن التغطية الصحية بشكل أوسع، إلى جانب تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسر والمؤسسات التعليمية، وتطوير برامج تساعد الأفراد على التعامل مع الضغوط النفسية والتحديات الحياتية، باعتبار أن الوقاية والدعم المبكر يظلان من أهم السبل لتقليص هذه المآسي الإنسانية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك