أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تعد الأزمة داخل المديرية الإقليمية للفلاحة بجرادة مجرد خلاف إداري عابر، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة بين الشغيلة والإدارة، عنوانها العريض: فقدان الثقة واحتقان يهدد السير العادي للمرفق العمومي. بيان صادر عن المكتب الإقليمي للنقابة يرسم صورة قاتمة عن مناخ مهني متوتر، ويعلن الانتقال من مرحلة التحذير إلى التصعيد الميداني.
الشرارة انطلقت من لقاء عُقد صباح الخميس 26 فبراير 2026 بهدف تطويق الأزمة والبحث عن مخارج تعيد الهدوء إلى المؤسسة. غير أن الاجتماع، بحسب البيان، لم يحقق أي اختراق يُذكر، بل أكد استمرار نفس الأسلوب التدبيري الذي تعتبره الشغيلة سبباً مباشراً في تفاقم الوضع. الاتهام الأخطر الذي ورد في البيان يتعلق بعدم نفي الإدارة لما راج حول دعوة مرتفقين وأشخاص لتقديم شكايات ضد موظفين، في ما تراه النقابة تمهيداً لفتح الباب أمام شكايات كيدية قد تُستعمل كورقة ضغط أو تصفية حسابات مهنية.
لغة البيان تكشف حجم القطيعة؛ إذ يتحدث عن أسلوب “فوقي وسلطوي” لا ينسجم مع قواعد الحوار الاجتماعي، وعن صدور عبارات وُصفت بغير اللائقة في حق ممثلي الشغيلة، ما أدى إلى تعثر اللقاء وفشله في إنتاج حلول عملية. هذا التوصيف يعكس أزمة أعمق من مجرد سوء تفاهم إداري، ليضع المسألة في إطار صراع حول أسلوب التدبير وحدود السلطة داخل المرفق العمومي.
ساعات قليلة بعد الاجتماع، انتقلت الشغيلة إلى الشارع بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر المديرية. البيان يعتبر الوقفة “ناجحة بكل المقاييس”، من حيث الحضور والانضباط ووحدة الصف، ويقدمها كرسالة واضحة بأن الموظفين يرفضون ما يعتبرونه مساساً بكرامتهم واستقرارهم المهني. الاحتجاج لم يكن فقط تعبيراً عن غضب لحظي، بل إعلاناً عن دخول مرحلة نضالية جديدة.
المكتب الإقليمي حمّل الإدارة الإقليمية المسؤولية الكاملة عن استمرار التوتر، متهماً إياها بتبني أساليب لا تخدم التهدئة ولا تعزز الثقة داخل المؤسسة. كما شدد على رفض أي ممارسات قد تكرس مناخ التضييق أو تشجع على الشكايات الكيدية، معتبراً أن ذلك يضرب أسس الاستقرار الإداري ويؤثر سلباً على مصالح المرتفقين.
وفي تصعيد واضح، دعا البيان المدير الجهوي للفلاحة بجهة الشرق والمصالح المركزية بالوزارة إلى التدخل العاجل لمعالجة الوضع جذرياً، ملوحاً بتنظيم وقفة احتجاجية تصعيدية أمام مقر المديرية الجهوية بوجدة في حال استمرار ما وصفه بانسداد الأفق. كما أعلن عن توسيع دائرة التعبئة والتنسيق النقابي، في إشارة إلى إمكانية انتقال الملف من طابعه المحلي إلى بعد جهوي وربما وطني.
تحليل المشهد يكشف أن ما يجري في جرادة يتجاوز حدود خلاف إداري داخلي، ليطرح سؤالاً أكبر حول نماذج التدبير في الإدارات العمومية، وحدود العلاقة بين السلطة الإدارية والتمثيلية النقابية. حين يتحول الحوار إلى مواجهة، وتُستبدل طاولة النقاش بساحة الاحتجاج، فإن الخاسر الأول يكون المرفق العمومي نفسه، ومعه المواطن الذي ينتظر خدمة مستقرة وفعالة.
الرسالة التي تختم بها الشغيلة بيانها حاسمة: “كرامة الموظف خط أحمر”. وبين هذا الشعار وتحذيرها من “العبث والارتجال”، تتضح ملامح مرحلة عنوانها الضغط الميداني لفرض تغيير في أسلوب التدبير. الأيام المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الجهات الوصية على احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى نموذج جديد لاحتقان إداري قابل للانتشار.

لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك