الرشوة..العملة الخفية التي تُدير المغرب من الظل

الرشوة..العملة الخفية التي تُدير المغرب من الظل
بانوراما / السبت 29 نونبر 2025 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:لبنى مطرفي

في المغرب، لم تعد الرشوة مجرد انحراف بسيط داخل بعض الإدارات، بل تحوّلت إلى نظام موازٍ يشتغل فوق القانون وتحت حماية بنية عميقة تتغذّى من الفوضى وتعيد إنتاجها كل يوم. الواقع اليوم لم يعد يحتاج إلى تقارير المنظمات الدولية ولا إلى تصريحات رسمية متلعثمة؛ يكفي أن يدخل المواطن إلى أي إدارة حتى يصطدم بالحقيقة العارية: الرشوة لم تعد استثناءً، بل قاعدة تُنظّم الحياة الإدارية، وتحدد من يحصل على حقه ومن يُستنزف صبره وكرامته.

تفشّي الرشوة بهذا الشكل لم يحدث صدفة ولا نتيجة “سلوكيات فردية” كما يحب بعض المسؤولين أن يبرروا. الحقيقة أبسط وأعمق: الدولة العميقة، منذ عقود طويلة، صنعت بيئة تسمح بانتشار الفساد وتستفيد منه، لأنها تعلم أن المواطن المُنهك والمنشغل بالبحث عن “واسطة” أو “ريع إداري” لن يملك وقتاً ولا طاقة ليسائل مصادر السلطة الحقيقية. الرشوة هنا ليست مجرد فعل مرفوض أخلاقياً، بل آلية ضبط وتحكم، تُبقي المجتمع في دائرة التبعية، وتُقوّي شبكات النفوذ التي لا تظهر في العلن.

وعندما يصبح الموظف الصغير جزءاً من منظومة أكبر منه، يُدرك أن الرشوة ليست مخاطرة بل حماية، وأن اليد التي تمتد لأخذ “القهوة” مُحاطة بأيدٍ أكبر منها تدير اللعبة من فوق. لهذا يتضخم الفساد من الأسفل إلى الأعلى، ويُصبح مثل شبكة عنكبوتية لا يمكن تفكيكها دون المساس بالجهات التي زرعتها ورعتها.

المواطن اليوم لم يعد يثق في المساطر، ولا في القانون، ولا في المؤسسات التي يُفترض بها أن تضمن العدالة. هذا الانهيار في الثقة هو أخطر من الرشوة نفسها، لأنه يُحوّل الدولة إلى فضاء يُدار بالمفاوضات الخفية لا بالقوانين. وهكذا تصبح الإدارة العمومية وسيلة ابتزاز لا خدمة، والمواطن مشروع زبون دائم لمنظومة تعرف جيداً كيف تستنزف جيبه ووقته وكرامته.

الخطر الأكبر أن الجميع يعرف، والكل يتحدث، لكن لا أحد يلمس الجذور الحقيقية: شبكة من المصالح المتشابكة داخل أجهزة الدولة العميقة، تستثمر في الفوضى وتُعيد إنتاجها كلما حاول أحد مقاربتها. مكافحة الرشوة تتطلب أولاً الاعتراف بأن المشكل سياسي قبل أن يكون أخلاقياً، وبأن مواجهة الفساد تعني مواجهة مصادر السلطة الخفية التي بنت جزءاً من قوتها على هذه الممارسات.

المغرب اليوم في مفترق طرق: إما الاستمرار في غضّ الطرف وترك الرشوة تتمدد حتى تطال كل شيء، أو الجرأة في فتح الملفات المحرّمة وكسر الحلقة التي تربط بعض مراكز النفوذ بالإدارة الفاسدة. دون ذلك، ستبقى الرشوة هي الحاكم الفعلي، والقانون مجرد ديكور إداري لا أثر له على الواقع.

الأسئلة المطروحة اليوم لم تعد: “كيف نحارب الرشوة؟” بل: “هل يوجد فعلاً قرار سياسي لكسر بنيتها العميقة؟” و“هل يمكن إصلاح إدارةٍ تغلغلت في خلاياها ثقافة المقابل والامتيازات والامتنان القسري؟” دون أجوبة واضحة وشجاعة، سيظل المواطن يواجه مؤسسة عمومية تُعامل الحقوق كسلعة، وتُحوّل الدولة إلى سوق مفتوح النفوذ فيه لمن يدفع أكثر.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك