الجامعات المغربية خارج منطقة الأمان:عندما تتحول نزاهة البحث العلمي إلى أزمة مؤسساتية

الجامعات المغربية خارج منطقة الأمان:عندما تتحول نزاهة البحث العلمي إلى أزمة مؤسساتية
مقالات رأي / الخميس 06 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

بقلم:نعيم بوسلهام 

إذا كانت الجامعات تقاس اليوم بما تنتجه من معرفة، فإن قيمة هذه المعرفة لا تتوقف على عدد الأبحاث المنشورة أو حجم الإنتاج العلمي، بل تبدأ أولاً من نزاهة البحث ذاته. لذلك لم يكن صدور النسخة المحدثة لسنة 2025 من مؤشر RI² لنزاهة البحث العلمي مجرد تصنيف أكاديمي عابر، بل جرس إنذار حقيقي يضع الجامعة المغربية أمام واحدة من أكثر القضايا حساسية: أزمة الثقة في منظومة البحث العلمي.

المعطيات التي نشرها البروفيسور لقمان إمهو، الباحث بالجامعة الأميركية في بيروت، تكشف أن الجامعات المغربية لم تتمكن من الولوج إلى خانة المؤسسات ذات الوضع الآمن أو الطبيعي في مؤشر مخاطر النزاهة البحثية. والأسوأ من ذلك أن جامعة ابن طفيل بالقنيطرة صُنفت ضمن فئة "الخطر المرتفع جداً"، بينما جاءت جامعات كبرى، من بينها محمد الخامس بالرباط والحسن الثاني بالدار البيضاء وابن زهر وسيدي محمد بن عبد الله، ضمن فئة "الخطر المرتفع"، في حين توزعت بقية الجامعات على مستوى "الخطر المتوسط".

هذه النتائج لا تعني أن الجامعات المغربية تنتج أبحاثاً رديئة بالضرورة، لكنها تشير إلى وجود مؤشرات مقلقة تتعلق بسلامة الممارسة البحثية، من بينها ارتفاع الأبحاث المسحوبة بسبب مخالفات علمية، أو النشر في مجلات مفترسة تفتقر إلى التحكيم العلمي الرصين.

إن أخطر ما تكشفه هذه المؤشرات ليس ترتيب الجامعات في حد ذاته، وإنما طبيعة البيئة التي أصبح يشتغل داخلها الباحث الجامعي. فقد تحولت سياسة "النشر أو الاندثار" إلى هاجس يطارد الباحثين، وأصبحت الترقية الأكاديمية في كثير من الأحيان مرتبطة بعدد المقالات أكثر من ارتباطها بقيمتها العلمية أو أثرها المعرفي. وعندما يصبح الكم معياراً أساسياً للتقييم، تتراجع الجودة، وتتسلل الممارسات غير السليمة إلى المنظومة البحثية.

ولا يمكن اختزال المسؤولية في الباحث وحده. فالأزمة، إن ثبتت واستمرت، هي أزمة حكامة قبل أن تكون أزمة أفراد. إنها تعكس اختلالات في أنظمة التقييم، وضعفاً في آليات المراقبة، وغياباً لسياسات مؤسساتية صارمة لمكافحة النشر في المجلات المفترسة، إضافة إلى محدودية التكوين في أخلاقيات البحث العلمي.

إن الجامعة التي لا تحمي نزاهة البحث، تضعف قدرتها على إنتاج معرفة موثوقة، وتفقد تدريجياً رصيدها العلمي أمام المؤسسات الدولية. لذلك فإن التعامل مع هذه المؤشرات بمنطق الإنكار أو التقليل من أهميتها لن يغير من الواقع شيئاً، لأن السمعة الأكاديمية أصبحت اليوم مرتبطة بمدى احترام معايير النزاهة والشفافية أكثر من ارتباطها بحجم الإنتاج الكمي.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لسياسات البحث العلمي بالمغرب. فلا يكفي تشجيع النشر الدولي، بل يجب بناء منظومة وطنية متكاملة لحماية النزاهة الأكاديمية، تشمل تعزيز التكوين في أخلاقيات البحث، واعتماد معايير أكثر صرامة في تقييم الإنتاج العلمي، وإنشاء آليات مستقلة لرصد الممارسات غير السليمة، وتشجيع النشر في المجلات المحكمة ذات المصداقية.

إن الجامعات المغربية تضم آلاف الباحثين الجادين الذين يقدمون أعمالاً علمية محترمة وتحظى باعتراف دولي، وهو ما يجعل من الضروري عدم تعميم الاتهام على الجميع. غير أن وجود كفاءات متميزة لا يلغي الحاجة إلى مواجهة المؤشرات السلبية بكل شفافية، لأن حماية سمعة الجامعة تبدأ بالاعتراف بالاختلالات والعمل على معالجتها.

ويبقى السؤال الذي تفرضه نتائج مؤشر RI² أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل ستتعامل وزارة التعليم العالي والجامعات مع هذه المؤشرات باعتبارها فرصة لإصلاح منظومة النزاهة البحثية، أم أنها ستظل مجرد أرقام عابرة في تقرير دولي آخر، بينما تستمر أزمة الثقة في التفاقم؟

إن مستقبل الجامعة المغربية لن تحدده كثرة المنشورات، بل ستحدده مصداقية المعرفة التي تنتجها، لأن البحث العلمي الذي يفقد نزاهته يفقد، في النهاية، قيمته ورسالته.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك